باقلاممقالات كبار الكتاب

رحل مطمئنًا

بقلم عبد اللطيف المناوي

مازلت أذكر عندما قال لى بحب وفخر، في دردشة عقب حوار أجريته معه عام 2009 على جسم السد العالى، كيف أنه يحفظ كل تضاريس مصر ومدنها، وكيف زار كل مدنها. كان يتحدث بشغف حقيقى يفسر لماذا لم يخرج منها عندما تخلى عن الحكم.

لم تكن المحاكمات، التي تعرض لها، هي أكثر التصرفات قسوة ضده، ولكنى أعتقد أنها اللحظة التي قرروا وقتها سحب كافة النياشين والقلائد والأوسمة التي حصل عليها، أظن أن إحساسه بنزع نجمة سيناء (قلادة حرب أكتوبر) منه كان أكثرها قسوة على نفسه.

ويعتقد العديد- وأنا من بينهم- أن حساب السياسى على الأخطاء مكانه الفعل السياسى وحكم التاريخ، والفعل السياسى هنا يمكن تنفيذه من خلال أدوات التغيير الديمقراطية أو من خلال التظاهر ضده أو العصيان المدنى أو خلعه من السلطة أو حتى الانقلاب عليه، لكن لا أتفق على أن من بين أساليب المحاسبة والعقاب لما يُعتقد أنه أخطاء سياسية استخدام أدوات العدالة لتوقيع عقاب انتقامى تحت أسماء مختلفة، لكنها جميعا تنتهى إلى اتباع سلوك غير حضارى.

إذاً كما نرى هناك اختلاف مفهوم على تقييم دور مبارك، أما ما لم يكن مفهوماً فهو هذا الهجوم الكاسح والمتجاوز ليس على مبارك الرئيس، بل على مبارك الطيار المقاتل، فخرج البعض يسفه من دوره في حرب أكتوبر.

كان الله حليماً بحسنى مبارك أن أعطاه الفرصة ليرى جزءاً كبيراً من رد الاعتبار له، بعد أن عانى ما عانى خلال الأشهر الطويلة التي أعقبت سقوط نظامه في فبراير 2011 فأصبح غير مدان بأى تهمة، بل الأهم أن يبدأ الحديث مرة أخرى عن دور سلاح الطيران، وأن يخدمه القدر لتخرج إلى النور مذكراته التي كتبها وهو يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية حول دور الطيران، الذي كان هو قائده في حرب أكتوبر، لتظهر معدنه الحقيقى كقائد عسكرى وطيار مقاتل حارب من أجل بلده، حاملًا روحه على كفه. وبدأ إدراك كثير من المصريين يميل إلى التعامل الموضوعى مع مبارك باعتباره رئيسًا أخلص لبلده فأصاب وأخطأ.

كثير منا توقف عند توقيت وفاته، كانت دليلًا غيبيًا، كما رآه كثيرون، أن الله أراد له أن يغادر الدنيا وهو مطمئن البال على عائلته، التي ظل يعتقد أنها تدفع ثمنًا بسببه. لقد دخل مبارك غرفة العناية المركزة قبل شهر تقريباً، وكان هذا هو ما أعلنه ابنه علاء عبر حسابه على السوشيال ميديا وقتها. بقى فيها ٣٠ يوماً، واستقبل فيها منذ أيام قليلة خبر براءة نجليه علاء وجمال في ساحة القضاء في آخر قضايا لهما أمام المحاكم. كان من آخر ما قال كما نقل عنه محاميه الأستاذ فريد الديب بعد أن علم بخبر براءة ولديه: «الحمد لله ربنا نصفنا بعد سنين طويلة».

[email protected]

بواسطة عبد اللطيف المناوي … نشر في المصري اليوم

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق