باقلاممقالات كبار الكتاب

الثوابت والمتغيرات في الإسلام (1)

مقال بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت- أستاذ فلسفة الدين

“إن محاولة تأسيس عصر ديني جديد تقوم على ضوابط ومعايير عديدة، تناولتها في كتابي بعنوان “نحو تأسيس عصر ديني جديد” الصادر منذ سنوات، وقبلها في مؤلفات وأبحاث عديدة سابقة عليه عبر عقود أربعة. ومن أهم هذه الضوابط:

* العودة إلى المنابع الصافية:
وهي القران والسنة الصحيحة فقط، فكل ما جاء بعد اكتمال الدين ليس دينا، وإنما هو محاولات بشرية قابلة للصواب والخطأ. فقد بدأت الكلمة الإلهية في الإسلام بـ ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، وانتهت بـ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)؛ فالدين اكتمل بإعلان إلهي، وهذه هي كلمته الأخيرة، وهنا انغلقت “دائرة الكلمات المقدسة”. إذن كل ما جاء بعد ذلك في التراث ليس “دينا”، بل هو مجرد اجتهادات بشرية في فهم الدين واستنباط الأحكام، يصيب فيها مَنْ يصيب ويخطئ فيها مَنْ يخطئ، ولا يحمل أحد صكا إلهيا، وليس لبشر العصمة سوى الرسول المعصوم في أمر الدين بالوحي؛ فالقرآن الكريم لا توجد فيه آية واحدة تعين شخصا سوى الرسول (عليه الصلاة والسلام) للحديث باسم الحقيقة الدينية، والرسول لم يرد عنه في أي حديث متواتر تحديد شخص بعينه ليحمل الرسالة بعده، بل القرآن يذم طاعة السادة والكبراء دون برهان محكم وحاسم لمجرد أنهم سادة وكبراء.. (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا).(انظر كتاب نحو تأسيس عصر ديني جديد ص 7، 8. وأيضا مقال الوطن: المقدس والبشري في الإسلام بتاريخ 2015 /04 /12).

يوجد فرق بين “الإسلام” و”التراث”، فالإسلام (قرانا، وما بينته منه السنة الصحيحة)، إلهي المصدر، أما التراث فهو منجز بشري نقدر بعضه ونرفض بعضه، ومن الخطأ بل من الجور على الدين أن نعد الاجتهادات الفقهية أو التفسيرية من أي نوع دينا مقدسا. إن الدين في ثوابته وحي مطلق، لكن تفسيره عمل بشري نسبي متطور خاضع لاختلاف الزمان والمكان والتقدير العلمي في ضوء اعتبارات المصالح العامة والمرسلة. ومن الخطأ دمجه في بنية وتكوين المقدس، ومن يفعل ذلك من البشر فإنه يعطي لنفسه سلطة إلهية تتعارض مع مفهوم التوحيد النقي والشامل للواحد الأحد المالك وحده للحقيقة المطلقة، فالمطلق هو من يملك الحقيقة المطلقة، أما النسبي- وهو ما سوى الله- فلا يملك إلا حقائق نسبية. من أجل ذلك نجد المولى يقول : (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ . اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) ( الحج: 68- 69). (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) (سبأ : 26). (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (الحج: 17).

ومن هنا فليس من الابتداع فحص التراث فحصا عقلانيا نقديا، وليس ما ندعو إليه في كتاب (نحو تأسيس عصر ديني جديد) ينال من الثوابت .. طبعًا لا .. لأن هذه الثوابت من القران والسنة الصحيحة المتواترة.. وهي ليست جزءا من التراث، بل هي فوق التراث. ومن المغالطة التوحيد بين الوحي والتراث؛ لأن في هذا إضفاء للقداسة على أعمال بشرية، وهو ما يعارض التوحيد الخالص.

* الثوابت:
هناك ثوابت من حيث المصادر، وهي القرآن والسنة المتواترة. وهناك ثوابت من حيث الموضوعات، وهي (ما علم من الدين بالضرورة، من القطعيات الثبوت والمعنى، وتشمل الأصول الاعتقادية والعبادية والأخلاقية والمقاصد الكلية والضروريات الخمس وأصول المعاملات والمحرمات، في القرآن والسنة المتواترة)، مثل: أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره. وأركان الإسلام الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. وتوجد فروق بين الإسلام والإيمان، من بينها الفرق بينهما في كون أركان الإسلام أعمالا ظاهرة تقوم بها الجوارح: النطق والتلفظ لسانا بالشهادتين، والصلاة والزكاة والصيام والحج. أما أركان الإيمان فهي من أعمال القلوب الداخلية الباطنة: الإيمان بالله وملائكته… الخ.

وهذه هي الثوابت من الأصول الاعتقادية، طبعا في نقائها الأول قبل نزاعات الفرق والطوائف، مثل المعتزلة والأشاعرة والشيعة والجهمية والمرجئة والخوارج والقرامطة وغيرها.

إن تلك الفرق العقائدية التي يدافع عنها البعض دفاع المشجع لفريق من فرق كرة القدم، قد نشأت لاحقًا، وهي تقع تحت طائلة قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام: 159). ومن الخطأ الواضح تفسيرها على أهل دين بعينه؛ لأن اللفظ عام، والعبارة كلية تشمل كل من يفعل ذلك.
إذن فإن انتسابنا العقائدي يجب أن يكون للإسلام قرآنا وسنة صحيحة وليس إلى الفرق والطوائف؛ فالنبي وأصحابه الكرام لم يكونوا معتزلة ولا أشاعرة ولا شيعة ولا مرجئة ولا جهمية ولا حشوية ولا ماتريدية! ومن هنا يجب غلق صفحة الفرق العقائدية القديمة إذا كانت لدينا النية والإرادة لتأسيس خطاب ديني جديد.

إن الأصول الاعتقادية ثابتة بالقرآن الكريم والسنة المتواترة. والإيمان بوجود الله مطلق، لكن لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة عنه سبحانه ولا أحد يتحدث باسمه أو عنه سبحانه إلا النبي (عليه الصلاة والسلام) فيما ثبت ثبوتا يقينيًا عنه. الإيمان بوجوده سبحانه هو وجهتنا ووجهة الحنفية السمحة :(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ( الأنعام: 79).

ان الواحد الأحد هو مقصد العبادة الحق، وتنمية العالم هي الرسالة التي يجب أن يتوجه الإنسان إليها بعد انتهائه من صلاته، عوضا عن النزاعات العقائدية التي أوقعنا فيها أرباب الفرق والمتعصبون لها، والذين لا يزالون يشدونا إلى معارك الماضي، أولئك الذين يزعمون أنهم يحاربون الإرهاب وهم في الوقت نفسه يغذون البيئة الحاضنة للعقل الإرهابي بأفكارهم المغلقة التي تجمدت مثل الحجر الصوان! وبكتبهم التي حولوها إلى كتب مقدسة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها! وهذا المعنى للتوحيد قد لمسته في دراستي المنشورة عام ١٩٨٢م لتحقيق كتاب (فهم الصلاة) للمحاسبي.

وأيضا من الأمثلة على ما عُلم من الدين بالضرورة، من القطعيات الثبوت والمعنى، الأصول الأخلاقية في القرآن والسنة المتواترة: الصدق والأمانة والعدل والتعاون وبر الوالدين إلخ. والمقاصد الكلية والضروريات الخمس وهِيَ حفظ : الدِّين، وَالنَّفْس، وَالنَّسْل، وَالْمَال، وَالْعَقْل . وأيضا أصول المعاملات والمحرمات، مثل : السرقة والقتل والغش، إلخ.

ونحن هنا نتحدث عن الأصول الكلية التي عليها نص صحيح صريح قطعي الثبوت والدلالة، الأصول التي عُلمت من الدين بالضرورة، في الآيات المحكمات اللاتي هنّ أم الكتاب. ولا نقصد الفروع أو فروع الأصول، لأن تلك الفروع من المتغيرات بحكم أنها ترجع إلى نصوص متعددة الدلالة، أو لم تبلغ في ثبوتها مبلغ اليقين، أو لم يأت فيها نص صريح قطعي الثبوت قطعي المعنى، أو ليس فيها حكم عقلي راسخ مجمع عليه في كل العصور.

ومساحة تلك المتغيرات أكبر مما يتصور البعض. والحديث عنها وعن سائر المعايير الأخرى لتكوين عقل ديني جديد وتطوير علوم الدين وليس إحياء علوم الدين، سوف نتناوله في المقالات التالية إن شاء الله تعالى. الحديث لم يكتمل، والمقاصد لا تزال بحاجة إلى توضيح في عصر من لوازمه توضيح الواضح وإعادة التكرار لما قيل عبر أربعة عقود مطبوعا وله أرقام إيداع!”.

مقال بقلم الدكتور . محمد عثمان الخشت – أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة – نشر بجريدة الأهرام

#جامعة_القاهرة
# الخطاب_الديني_الجديد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق