باقلاممقالات كبار الكتاب

الإسلام المنسي لا الإسلام المزيف

للدكتور محمد عثمان الخشت
أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة

لا يمكن أن يقنعني أحد أن الإسلام السائد في عصرنا هو الإسلام الأول الخالص والنقي، حتى عند أكثر الجماعات ادعاء للالتزام الحرفي بالإسلام؛ فأنا أقيس صواب كل فكرة أو نسق فكري بالنتائج المترتبة عليه؛ فالفكرة الصواب هي التي تعمل بنجاح في أرض الواقع وتنفع الناس.

والإسلام الأول كانت نتائجه مبهرة في تغيير الواقع والتاريخ، أما طريقة فهم الإسلام التي نعيشها اليوم، فهي خارج التاريخ ومنفصلة عن واقع حركة التقدم. والمقصود هنا هو الخطاب الديني البشري، وليس القرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة. والمقصود هو نقد الخطاب الديني الذي يضفي القداسة على بعض البشر ويعدهم ملاكا للحقيقة المطلقة، ناسيا أن إخلاص الدين لا يكون إلا لله، ومتجاهلا أن القداسة لله وحده سبحانه وتعالى، وأنه هو الوجهة وهو المقصد، (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: 79).

ولذلك باتت من الضرورات الملحة اليوم العودة إلى “الإسلام المنسي”، لا “الإسلام المزيف” الذي نعيشه اليوم، حتى نكون مخلصين له الدين. ولا يمكن هذا إلا بتخليص الإسلام الحقيقي (قرآنا وسنة صحيحة) من التفسيرات المتعصبة، والموروثات الاجتماعية، والعناصر الراكدة في قاع التراث، والرؤية الأحادية للإسلام، فالنظرة إلى الإسلام من زاوية واحدة وضيقة تزيف الإسلام، ولذا من الفرائض الواجبة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظرة، سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية.

إن المشكلة ليست في الإسلام النقي في طهارته الأولى، بل في عقول كثير من المسلمين وحالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون. لقد اختلط المقدس والبشري في التراث الإسلامي، واضطربت المرجعيات وأساليب الاستدلال؛ ولذا من غير الممكن “تأسيس عصر ديني جديد” دون تفكــيــــك العقل الديني التقليدي وتحليله للتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، فهذه مقدمة من بين مقدمات عديدة من أجل تكوين خطاب ديني جديد يتراجع فيه لاهوت العصور الوسطى الذي كان يحتكر فيه المتعصبون الحقيقة الواحدة والنهائية.

إن كل ما جاء في التاريخ بعد لحظة اكتمال الدين التي أعلنها القرآن الكريم: (اليوم أكملت لكم دينكم) (المائدة: 3)، جهد بشري قابل للمراجعة، وهو في بعض الأحيان اجتهاد علمي في معرفة الحقيقة، وفي أحيان أخرى آراء سياسية تلون النصوص بأغراضها المصلحية المنحازة. وفي كل الأحوال – سواء كانت موضوعية أم مغرضة- ليست هذه الآراء وحيا مقدسا، بل آراء بشرية قابلة للنقد العلمي. وهذا ما سعينا إليه على مستوى الخطاب الديني في كتابنا (نحو تأسيس عصر ديني جديد)
ويقتضي الدخول إلى عصر ديني جديد مجموعة من المهام العاجلة، مثل: تفكيك الخطاب الديني البشري التقليدي، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الإنساني الديني المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية مزعومة؛ حتى يمكن كشفه أمام نفسه وأمام العالم.

وليس هذا التفكيك للدين الخالص نفسه من قرآن وسنة صحيحة، بل تفكيك للبنية العقلية المغلقة والفكر الإنساني الديني الذي نشأ حول «الدين الإلهي الخالص». وعملية “التفكيك” يجب أن تمر بمجموعة من المراحل، من أهمها:
المرحلة الأولى: “التفكير المنهجي”
المرحلة الثانية: التمييز بين المقدس والبشري في الإسلام
المرحلة الثالثة: إزاحة كل “المرجعيات الوهمية” التي تكونت في “قاع التراثٍ”
وبعد التفكيك يأتي التأسيس، وأهم أركانه:
الركن الأول: تغيير طرق تفكير المسلمين
الركن الثاني: تعليم جديد منتج لعقول مفتوحة وأسلوب حياة وطريقة عمل جديدة
الركن الثالث: تغيير رؤية العالم.. تجديد المسلمين
الركن الرابع: تأسيس مرجعيات جديدة
الركن الخامس: العودة إلى الإسلام الحر “الإسلام المنسي”
الركن السادس: نظام حكم يستوعب سنن التاريخ
ولن يتحقق كل هذا بدون توظيف مجموعة من الآليات لتحقيق “حلول قصيرة ومتوسطة المدى” تشمل: التعليم، والإعلام، والثقافة، والاقتصاد، والاجتماع، والسياسة وذلك لـ”صناعة عقول نقدية” مفتوحة على الإنسانية تستطيع فهم المنابع الصافية (القرآن والسنة الصحيحة) فهما عقلانيا غير ملوث.

لقد بات ضروريا تغيير المرجعيات البشرية التقليدية التي تقدس البشر أيا كانت مكانتهم، ولا تخلص لله الدين. وتأسيس فقه جديد، وتفسير جديد، وعلم حديث جديد، وإزاحة كل “المرجعيات الوهمية” التي تكونت في “قاع تراثٍ” صُنع لغير عصرنا. ذلك القاع الذي يشتمل على العناصر الميتة والسوداء التي لا تزال تقود قطيعا لا يعرف إلا لغة الموت والكراهية ونفي الآخر، لا يعرف تسامح الإسلام، ولا يمكنه فهم عقيدة (رب العالمين) الذي تتسع سماؤه وأرضه للجميع.
إن الكائن الحي ينمو وتتغير خلاياه كل يوم، دون أن يفقد هويته، ولو توقف نموه وتغيره سوف يموت. وإذا ظللنا مصرّين على تجميد التراث كله وتقديسه كله، فسوف نكون السبب في موته. ولابد أن يدرك الزاعمون لتقديس التراث كله، أن تقديسهم هذا سوف يجمده ويوقفه عن النمو الطبيعي.

إن الكائن الحي هو الذي يتطور، والكائن الميت هو الذي يتم تجميده عند لحظة معينة دون أن ينمو. لذا لابد أن ندع التراث ينمو بعيدا عن التقديس، في هواء متجدد منفتح على كل العناصر الجديدة، واستبعاد العناصر الميتة والسلبية فيه، وإعادة بناء العناصر الحية والإيجابية ضمن مركب جديد تتفاعل فيه مكتسبات التطور والعلوم الحديثة والعقلانية النقدية ومناهج البحث العلمي الجديدة. وبدون هذا لن نستطيع صناعة تاريخ جديد نخرج فيه من هذه الدائرة المقيتة لكهنوت صنعه بشر بعد اكتمال الدين الإلهي، وتلقفه مقلدون أصحاب عقول مغلقة ونفوس ضيقة لا تستوعب رحابة العالم ولا رحابة المتن المقدس ولا رحابة السماء.

أرجو أن ينفتح النقاش حول الأفكار المطروحة في هذا المجال لمزيد من الأفكار الجديدة التي نتجاوز فيها “عصر الجمود الديني” الذي طال أكثر من اللازم في تاريخ أمتنا؛ من أجل تأسيس عصر ديني جديد، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف، وليس تجديد الخطاب الديني البشري التقليدي؛ لأن تجديد الخطاب الديني البشري عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة، لا تتنكر للعناصر الحية في التراث، لكن تعيد استيعابها في مركب جديد مع كل مكتسبات تطور العلوم الحديثة ومتغيرات التاريخ والتطور الحضاري، مركب جديد ينتج عن تفاعلات عقلية تامة وليست ملفقة، مثل التفاعلات التامة التي تحدث وفق قوانين الكيمياء في المعمل أو الطبيعة. واستنادا لما سبق لابد أن نتوقف طويلا لنعيد التعلم من قوانين الله في الطبيعة إذا كنا نريد فعلا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد!

للدكتور محمد عثمان الخشت
أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة – نشر في جريدة الأهرام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق