باقلاممقالات كبار الكتاب

من عرف نفسه فقد عرف ربه!

بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت

أعزائي .. مقالي بالأهرام وبه تأويل جديد لهذه المقولة العرفانية في ضوء مشروع تطوير العقل المصري، وتحويلها من عالم العرفان إلى عالم الواقع:

“من عرف نفسه فقد عرف ربه.. كيف يمكن أن نفهم هذه المقولة الرائعة في ضوء تطوير العقل المصري؟
لنرى أولا كيف كان يفهمها القدماء، بعضهم ينسبها إلى النبي (ص)، والحقيقة أنها ليست بحديث نبوي، ولا أصل لها عن النبي (ص)، ولا عن أحد من الصحابة. وبعض العلماء ينسبونها إلى يحيى بن معاذ الرازي الذي قال عنه الخطيب البغدادي في (المتفق والمفترق): “كان حكيم زمانه، دوَّن الناس كلامه، وجمعوا ألفاظه”. وتم تأليف كتب وكتيبات فيها، منها: (القول الأشبه في حديث من عرف نفسه فقد عرف ربَّه) للسيوطي. وتوسع في تأويلها المتصوفة، وتسير أغلب التفسيرات الشائعة في طريق فهمها بشكل مباشر، أي إذا عرفت نفسك فإنك تعرف الله! وهذا المعنى ليس قاصرا على التراث الإسلامي، فكثير من التيارات والمفكرين يفهمونها طبقا لهذا المعنى؛ مثلا في عام 1831م ، كتب إمرسون الفيلسوف الأمريكي قصيدة بعنوان “اعرف نفسك” ، حول موضوع “الله فيك”. وكانت القصيدة نشيدًا يعبر عن ايمان إمرسون بأن “معرفة نفسك” تعني معرفة الإله الذي شعر إمرسون بوجوده داخل كل شخص. وهكذا يعطي إمرسون معنى معرفة الله ثم يحمل المعنى نفسه معنى إضافي هو أن الله بداخل كل إنسان.

ويفهمها المتصوفة وكثير من غيرهم في التراث الإسلامي طبقا للمعنى الميتافيزيقي الذي يستطيع أن يجده كل منا في الكتب والمراجع والموسوعات، يفهمونها تارة بالمعنى السابق، وتارة أخرى يرون أنه بهذه المعرفة يدرك أنه هو الله! مثلما فعل الحلاج. ويرى إبراهيم بن الحَلَبي الحنفي (956هـ) في كتابه (نعمة الذريعة في نصرة الشريعة) أن مَعْنَاها “أَن من عرف نَفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم، وَمن عرفهَا بالفناء عرفه بِالْبَقَاءِ، وَمن عرفهَا بِالْعَجزِ عرفه بِالْقُدْرَة. إِلَى آخر مَا تتصف النَّفس مِمَّا هُوَ محَال فِي جَانب الْحق”. وهذا هو المعنى الأكثر شيوعا في شروح كتب عقائد أهل السنة، وعلى سبيل المثال أبو المظفر الأسفراييني في كتابه (التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين)، يقول :”من عرف نَفسه بِالْعَجزِ والضعف وَالنَّقْص والقصور عرف أَن لَهُ رَبًّا مَوْصُوفا بالكمال يَصح مِنْهُ جَمِيع الْأَفْعَال فلولاه لم يتم بِالْعَبدِ الْعَاجِز شَيْء من الواردات عَلَيْهِ”. وفي (شرح العقيدة الطحاوية لسفر الحوالي) يقول :” لو تفكر الإِنسَان في ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لآمن به وازداد به يقيناً ومعرفة، ولهذا قال من قال من السلف: “اعرف نفسك تعرف ربك”، فإذا عرفت ضعفك عرفت قوة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإذا عرفت جهلك عرفت علم الله سبحانه تعالى، وإذا عرفت ذنوبك عرفت رحمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بك ولطفه، وأنه لم يهلكك بهذه الذنوب ولم يؤاخذك بها بل تركك لعلك تتوب، وإذا عرفت تقصيرك عرفت كرم الله ومنَه عليك بالنعم والخيرات التي تتابع وتتوالى وأنت في غفلة عنها ولا تدري ولا تحسب لها أي حساب، ولو فقدت واحدة منها لتغيرت حياتك جميعها. إذاً: لو أن الإِنسَان عرف نفسه عَلَى الحقيقة فلن يرى في نفسه إلا الضعف والعجز والافتقار، ويعرف أن ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الموصوف بكمال الغنى، وكمال العلم، وكمال الحكمة، وأنه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فالتفكر في هذه الأمور، مما يجب علينا جميعاً، لنزداد إيماناً بالله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ونزداد عبودية له سبحانه في أنفسنا”.

ولا تروق لي كل هذه المعاني، ولا أفهم المقصود من هذه الحكمة على أن المقصود من النفس هو “النفس الميتافيزيقية أو الروح”، وهي الطريقة في الفهم التي يفضل بعض شراح الفلسفة ومؤرخي الأفكار والمتصوفة أن يفهموا بها هذه الحكمة، بل أميل إلى فهمها بطريقة أخرى؛ فالله ذاته كحقيقة ميتافيزيقية لا يمكن معرفته لأنه يجاوز كل ما نملك من قدرات معرفية، ولا يزال كل منا يفهم الله على شاكلته الفردية الخاصة به، وفي حدود قدراته المعرفية المقيدة بالزمان والمكان، بينما الله خارج أي مكان وزمان لأنه خالقهما ومتعال عليهما، وهو سبحانه خارج أي تصور. فحقيقة الله لا يمكن معرفتها لأنه سبحانه أكبر وأعلى مما قد نصور أو نتصور. ومن المحال معرفة هويته تعالى. وإذا كان الأمر كذلك فمن الشطط العقلي الظن بأن الإنسان إذا عرف نفسه يدرك أنه هو الله! فما هذا المعنى إلا هذيان عقلي.

كما لا يروق لي المعنى الذي يضع دوما الإنسان في مجال المقارنة مع الله تعالى، حتى ولو كانت هذه المقارنة تؤكد نقاط الْعَجزِ والضعف وَالنَّقْص والقصور في الإنسان في مقابل قوة الله وقدرته وكماله. فالمقارنة لا تجوز بين غير متماثلين، وبين رتبتين في الوجود مختلفتين. والله ليس بحاجة أن نتملقه سبحانه بأن نؤكد دوما على ضعفنا أمام قدرته، بل نحن الذين نحتاج لمعرفة ضعفنا حتى نعرف حدود قدرتنا ونطورها ونصبح أقوياء، و”الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ”. والضعف ليس ميزة يمكن أن يسعد بها الإنسان الطبيعي. لكن من أسف كثير من الأقوال في التراث تمتدح الضعفاء! ويمكن أن أقبلها في حالة جبران الخاطر، لكن لا يمكن أن أقبلها في حالة البحث عن المثل الأعلى. وغالبا شاعت تلك الأقوال في إطار صراع الطبقات والصراع السياسي ومحاولة تسكين وتنويم الطبقة الأدنى عن الصعود. للحديث بقية”.

مقال نشر للدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة في جريدة الأهرام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق