باقلاممقالات كبار الكتاب

حرب أكتوبر والطريق إلى تغيير نمط الإنتاج

يقدم رؤية للمعادل المدني لروح الجندية المصرية الأصيلة

بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت

“كان الدرس الأول من حرب أكتوبر هو “فن التحدي والاستجابة” الذي تحدثنا عنه في المقال السابق في ضوء نظرية أرنولد تُوينبي “التحدي والاستجابة”، ونظرية كارل يونج في علم النفس السلوكي. وفي مقال اليوم سوف نتناول درسين آخرين، هما:

الدرس الثاني: من الاستثناء إلى أسلوب حياة:
كان العقل الذي صنع نصر أكتوبر لحظة استثنائية انتهت للأسف بانتهاء الحرب، وبعدها عاد العقل المصري لطريقته المعتادة.
ولهذا نسأل دوما كيف نستعيد روح أكتوبر، كيف نستطيع تحويل هذه الحالة العابرة إلى حالة عامة، وتحويل الاستثناء إلى أسلوب حياة؟

أتصور أن الإجابة على هذا السؤال المتعدد الصيغ تكمن في معرفة سر لماذا يكون المصري في الجيش غير المصري في الشارع؟

عندما يلتحق المصري بالجيش يعيش حياة النظام والانتظام، والتي تتحول إلى حياة يعيد فيها بناء نفسه حتى يستطيع أن يتكيف مع عجلة الإنتاج والعطاء والبذل والفداء في الجيش. ولكنه عندما يعود إلى الحياة العامة تجده شخصا آخر! وقل مثل ذلك عندما يذهب إلى أي بلد متقدم، وعندما يعود تجد شخصا آخر. والسؤال كيف يمكن حل تلك الإشكالية؟

المواطن الفعال في مصر هو المصري مجندا، فما هو الحل؟
الحل هو البحث عن نظام اجتماعي يقوم على قيم الانضباط الذاتي المستمدة من قيم الجندية المصرية في حرب أكتوبر. والنظام الاجتماعي لا يُصنع بالمواعظ ولا الشعارات، ولكنه يُصنع بقيم الاقتصاد، لأن الاقتصاد هو محرك التاريخ، والانتقال إلى عصر المواطنة الحديثة في الغرب، كان له أسباب كثيرة لعل من أهمها حركة التصنيع؛ فالتصنيع ينتج نمطا جديدا من القوى المنتجة، وينتج علاقات إنتاج اجتماعية جديدة. والتصنيع يفرض نظاما على الحياة مختلفة عن النمط الاستهلاكي، ويعوِّد المواطن على نمط حياة يومي يقوم على المواعيد الدقيقة، ونظام العمل الصارم، وقوانين جودة المنتج. كما يخلق التصنيع قوى عاملة بشرية بمواصفات مختلفة عن مواصفات الموظفين التقليديين. ويجعل التصنيع طريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض اجتماعيا مرتبطة معا في أنماط محددة بناء على علاقات العمل التعاوني التي تقوم على أشكال جديدة للترابط بين الناس. ومن ثم يحدد التصنيع علاقات جديدة بين الطبقات تختلف عن العلاقة النمطية بين الطبقات في نمط الاقتصاد الاستهلاكي المصري السائد.

ويجعل التصنيع طريقة تعامل الناس مع العالم المادي الخارجي تسير في نظام إنتاجي؛ حيث يجب على الناس أن تستهلك من أجل البقاء، ولكن من أجل الاستهلاك عليها أن تُنتج، وعندما تنتج فإنها تدخل بالضرورة في علاقات جديدة لها وجود منفصل عن إرادتهم الفردية التي كانت تميل إلى التراخي، وهذه العلاقات الجديدة هي علاقات نظام المصنع والتصنيع التي تُعد النظام المعادل المدني لنظام الجيش العسكري.

ومن هنا؛ فمن أهم أسباب التغيير الاجتماعي التي تحتاجه مصر تغيير نمط الإنتاج الذي تسير عليه مصر. إن نمط الإنتاج يشكل طبيعة نمط التوزيع، ويحدد أسلوب التداول، كما يحدد أسلوب الاستهلاك، وكلها معا تشكل المجال العام الاقتصادي. ومن ثمَّ تشكل المجالين الاجتماعي والفكري للمجتمع المصري.

إذن من دروس أكتوبر النظام، واستعادة عقل أكتوبر هو صنع نظام اقتصادي واجتماعي موازي لروح النظام في الجيش المصري، وهذا لن يأتي إلا بالانتقال إلى النظام الصناعي. الصناعة هي عصب النظام الاقتصادي الحديث، والنظام الاقتصادي ينتج نمطا جديدا من الحياة.

وفي هذا أيضا سر ضرورة التحول من نمط الاقتصاد الاستهلاكي إلى نمط الاقتصاد الإنتاجي الذي سوف يتغير معه وجه الحياة في مصر إذا توافرت لدينا إرادة هذا النوع من التحول.

الدرس الثالث: الوعي بحدود قدراتنا وتحديد الأمل وطريقة الفعل:
من أهم دروس أكتوبر الوعي بحدود قدراتنا وتحديد الأمل وطريقة الفعل، وإذا أردنا الاستفادة من هذا الدرس علينا رسم خريطة عمل يكون واضحا فيها:
1. الوعي بحدود وطبيعة “عقلنا” وحساب قدراتنا على “الفعل”.
2. آفاق وحدود “الأمل” الذي يجب أن نتطلع إليه.
3. ماذا يجب علينا أن “نفعل”.

هذه الجوانب الثلاثة يجب أن تحكم أية خريطة عمل سواء للفرد أو للوطن كما أوضحنا في مقالاتنا السابقة عن تطوير العقل. ويجب أن يضع كل فرد معالمها فيما يتعلق بشخصه وحده إذا أراد لنفسه تغييرا حقيقيا وتقدما كبيرا في حياته الشخصية، وأيضا يجب أن يضع معالمها العقل المصري العام على مستوى الوطن إذا أردنا أن يكون لنا موقعا بين الأمم المتقدمة.

وفي هذا الإطار يجب استلهام الدرس الذي استوعبناه بعد حرب 67، حيث تسأل القادة: لماذا انهزمنا وانتصرت إسرائيل؟ وكان هذا السؤال هو نقطة البداية في التفكير الصحيح. واليوم يجب أن نسأل: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟
سؤال قديم جديد، قدم السابقون عليه إجابات شتى، لكنها إجابات تم التوصل إليها مباشرة دون طرح أسئلة ضرورية قبلها، وقد فشلت تلك الإجابات لأنه لم يتم التأسيس لها معرفيا بالقدر الكافي؛ ولأنها لم تكن لها خريطة معرفية تقوم على الوعي بالحدود وحساب القدرات بشكل مقارن مع الأمم الأخرى، ولأنها لم تبحث في المنهج وطريقة التفكير، وأسباب الانتقال من عصر إلى عصر. وكانت معظم الإجابات على هذا السؤال إنشائية تقدم حلولا عامة متسرعة.

إن تطوير العقل العام المصري لكي يكون عقلا نقديا يفكر بطريقة سليمة، وإعادة بناء الوعي المصري لكي يكون وعيا حقيقيا وليس وعيا مزيفا، غير ممكن – كما اتضح في مقالات سابقة- بدون معرفة العقل المصري لـطبيعته وطريقة عمله، وحساب حدود قدراتنا على “الفعل” بعامة حسابا حقيقيا غير مزيف. ولعل هذا يكون خطوة على طريق تغيير طرق التفكير وتغيير نمط الإنتاج، يعقبهما تلقائيا تغيير نمط الحياة”.

مقال نشر للدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة في جريدة الأهرام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق