باقلاممقالات كبار الكتاب

إصلاح الغرائز (٤) … حول ثقافة التحريم ظاهريا والانفلات سرا

بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت

ويدور حول ثقافة التحريم ظاهريا والانفلات سرا، والفرق بين الإدارة العقلانية للغريزة الجنسية والإدارة الهمجية لها، والثقافة الذكورية، وانتهاك الخصوصية، وضرورة إصلاح طرق إدارة الغريزة…

ونص المقال:
“إن ثقافتنا تعاني من الانفصام والازدواجية؛ فعلى الرغم من أنها ثقافة التحريم، لكنها تمارس الانفلات سرا، وعلى الرغم من أنها ثقافة غض البصر، فإنها تمارس انتهاك حرمات الآخرين، بل تتجاوز ذلك إلى انتهاك خصوصيتهم كاملة.

والأكثر من ذلك أن مفهوم الخصوصية غائب من تلك الثقافة غيابا مريعا مما يعكس حالة من التخلف على مسارات التحضر.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، وهو مثال بسيط لكن لا تستهين بخطورته؛ لأنه على الرغم من بساطته يعطيك مؤشرا على درجة التخلف العام في السلوك الجمعي. في مجتمعات التخلف الحضاري تجد الأغلبية تنظر للأغلبية في الشارع والمطاعم والنوادي والأسواق والبنايات وعلى الشواطئ! على عكس أهل الحضارات المتقدمة الذين يمشون سويا على صراط مستقيم لا يلتفون إلى بعضهم البعض ولا يقتحمون الآخرين بنظرات جنسية أو حتى فضولية؛ فغريزة الجنس تسير -من هذا الجانب-في مسار ثقافة التحضر، وقل مثل ذلك في غريزة الفضول.

أما عن التحرش الجنسي بأنواعه في مجتمعات التدين الزائف، فتحدث عنه ولا حرج! مما يعكس مشكلة حقيقية في ثقافة التعامل مع الطاقة الغريزية في شقها الجنسي. البعض يفسر ذلك بالكبت، لكني أتصور أن المسألة أكبر من ذلك؛ لأن هذه الظاهرة تضم أيضا طائفة من المتزوجين، بل وأحيانا المتزوجين بأكثر واحدة.

لا شك أن الكبت يفسر جزءا من الظاهرة، لكنه لا يفسرها كلها. المسألة تحتاج إلى دراسات معمقة من علماء النفس والاجتماع والفلاسفة. وتشير الظواهر الأولية إلى أن هناك نسبة تستهدف الإشباع الجنسي، ونسبة أخرى غير قليلة تفعل ذلك بدافع التعود، بينما نسبة ثالثة يريدون إثبات ذكورتهم! وهناك دوافع أخرى غير تلك، لكن رد الظاهرة إلى عامل واحد فقط على عادتنا في تفسير الأشياء، هو خطأ بلا ريب.

ومن أسفٍ نحن ننحاز للثقافة الذكورية وليس إلى الثقافة الإنسانية. فلا نزال نعتقد أن الرجال لهم ميزات إضافية على النساء، وأن لهم حقوقا ليست لغيرهم، وأن بعض أخطاء الرجال تُسأل عنها النساء! إن مجتمعنا في قطاع منه يقع في تناقضات لا أجد لها تفسيرا، ففي بعض الوقائع يدين الرجل لمجرد ادعاء المرأة، وفي وقائع أخرى يحمل المرأة مسئولية خطيئة الرجل! نحن لا نزلنا ثقافة المتناقضات!

إن المسئولية مشتركة بين الجنسين، وحواء لا تتحمل وحدها خطيئة آدم، بل يتحملها الاثنان معا. وبصرف النظر عن طبيعة تلك الخطيئة، فإن المسئولية مشتركة في أية خطيئة أو خطأ من أي نوع، كل حسب دوره سواء في الإيعاز بالفعل أو في التنفيذ.
إن الغريزة الجنسية قد تتحول إلى طاقة للتعمير واستمرار النوع الإنساني وتحسين صفاته، بل قد تتحول في جانبها الزائد إلى طاقة للإبداع في الفنون والآداب والعلوم والرياضة والدين، عندما يتم الارتفاع الأخلاقي والتسامي بها لتخفيف التوتر الداخلي، وإعادة توجيه الطاقة الجنسية الزائدة لتحقيق أهداف راقية، فهنا تتحول الطاقة الزائدة إلى مربع جديد. وليس من المستبعد أن يكون تفسير فرويد لأعمال ليوناردو دافنشي قريبا من الصواب.

وهذه ليست دعوة مطلقة للتسامي، بل دعوة لإدارة الغريزة إدارة عقلية في مساراتها الطبيعية عن طريق الزواج، مع تحويل الطاقة الزائدة عن ذلك إلى مربع الإعلاء في الفنون والآداب والعلوم والرياضة والدين. وإن لم نفعل ذلك سوف تتحول الطاقة الزائدة إلى فوران وعدوان، وسوف تجد الطاقة الزائدة طريقها للخروج إلى مربع التحرش والاغتصاب والتوحش والعنف وربما الإرهاب. وإن لم تجد سبيلا إلى ذلك فسوف يتولد الكبت والمرض النفسي.

إن الفرق بين الإدارة العقلانية للغريزة الجنسية والإدارة الهمجية، يكمن في طريقة التعامل مع الغريزة الجنسية. وفي هذا الفرق يكمن الاختلاف بين التحضر والتوحش، بين الممارسة الإنسانية والممارسة دون الحيوانية؛ لأن الممارسة الحيوانية – فيما أعلم-لا تقوم على الاغتصاب أو منافاة قواعد الفطرة الحيوانية، لكن في الممارسة الإنسانية قد تتجاوز القواعد والعرف والفطرة وتهبط إلى ما دون الحيوانية. في الممارسة الحيوانية تجد طريقة واحدة متشابهة في دوافعها وأدائها وغاياتها، وهي تعمل بشكل جبري عند كل أفراد النوع، مثل البقر أو الخيل أو الفيلة أو القطط. لكن عند الإنسان تجد تباينا بين الثقافات، وتجد تباينا بين أفراد الثقافة الواحدة نفسها. وأنا هنا لا أعني طريقة الأداء الجسدي، بل أعني السلوكيات العامة الناتجة عن الثقافة الحاكمة لطريقة التعبير عن الطاقة الغريزية في العقل الجمعي.

وهذه الثقافة بحاجة حقيقية للإصلاح في مجتمعاتنا، ورؤيتنا للغريزة الجنسية لابد من كشفها على حقيقتها وبيان تناقضاتها ووضعها تحت آلات التفكيك النفسي والاجتماعي والفلسفي، كما أن رؤيتنا للرجل والمرأة وطبيعة العلاقة بينهما بحاجة لإعادة البناء، بل إن رؤيتنا للعالم والوجود بحاجة إلى تغيير حقيقي.

ومن أهم مفاتيح الحل أن نعلم أن الغرائز إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل؛ ولذا لابد من فتح مسارات الفنون والرياضة والآداب والعلوم، إبداعا أو تذوقا، أمام الناس عامة والشباب والأطفال خاصة في النوادي ومراكز الشباب وقصور الثقافة والمسارح ودور السينما. ولابد من التوسع في المدارس والجامعات أمام دروس الموسيقى والغناء والفنون عامة، والمنافسات الرياضية، ونوادي العلوم، والأنشطة الثقافية والاجتماعية. فهذا ليست أنشطة كمالية، بل ضرورية من أجل بناء الشخصية، ولا تقل أهمية عن المقررات العلمية”.

مقال نشر للدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة في جريدة الأهرام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق