باقلاممقالات كبار الكتاب

إصلاح الغرائز (3) … “غريزة التملك”

بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت

أكاد أجزم أن ثقافتنا بها مشكلة حقيقية، بل مشاكل، في التعامل مع كل الغرائز، سواء غرائز جسدية أو غير جسدية. ولنقف قليلا عند الثقافة التي تحكم طريقتنا في إدارة غريزة التملك. إن ثقافتنا على الرغم من أنها ثقافة ترفع شعار الأمانة في الملكية والتملك، لكنها تمارس ابتلاع حق الآخرين!

على سبيل المثال، استرجع مع نفسك ماذا يتم في الميراث، يقول لك أحدهم :” تطبيق شرع الله”، لكنه في الواقع يغتصب حق أخواته البنات، وربما الأولاد، تحت شعارات وحيل لا أول لها ولا آخر! والعجيب أنه متدين، وشعاره (شيئان إذا حفظتهما ﻻ تبالي بما ضيعت بعدهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك). كيف يفهم هذا المتدين المزيف المتقنع بأقنعة الفضيلة هذه العبارة؟ (درهمك لمعاشك) معناها عنده أن يستحوذ على كل شيء في طريقه، وعنده مليون طريقة وحيلة للتبرير الديني والتبرير الاجتماعي. أما (دينك لمعادك) فيفهمها أنه طالما صلى وحج وصام ودعا الله ليل نهار فيمكنه أن يَنجى من النار حتى لو أكل مال اليتيم ومال الجار، وكله بالقانون! فالدين عنده طقوس، أما المعاملات التي تختبر المعادن فعلا، فلها عنده ألف تبرير وتبرير، المهم عنده هو (درهمك لمعاشك)! أما الله سبحانه فيمكن أن يرضيه هذا المسخ الإنساني ببعض الطقوس وبعض التملق! (سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا). وهو يعظ الآخرين مكررا : (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قوﻻً سديدا)، نعم يعظ ! نعم يصدق نفسه! نعم يصدقه المغفلون! نعم يضع نفسه في موضع العادل الرحيم! لكنه لا ينسى أبدا (درهمك لمعاشك)؛ ويقاتل من أجل ذلك ويخدع الآخرين، ويخدع نفسه بالحيل الدفاعية اللاشعورية، بل يظن أنه يخدع ربه بالتملق!

إن غريزة التملك غريزة من الممكن أن تتحول إلى طاقة للتعمير والبناء والحفاظ على الحقوق، ومن الممكن أن تتحول إلى اغتصاب حقوق الآخرين والهدم والتوحش. الفرق فقط يكمن في طريقة التعامل وإدارة الغريزة، وفي هذا الفرق يكمن أيضا الاختلاف بين التحضر والتوحش. وربما يمكنك القول: هذا هو الفرق أيضا في المجتمعات الرأسمالية بين الرأسمالية الوطنية وبين الرأسمالية المتوحشة. إن غريزة التملك في المجتمعات المتحضرة تتحول إلى طاقة للتنافس الشريف والعمل والإنتاج، وينظمها قانون عادل، وقضاة عادلون، ونظم إدارية واجتماعية منضبطة. وفي المجتمعات المتخلفة تتحول غريزة التملك إلى طاقة للاستحواذ والطمع والسرقة والتحايل والفهلوة والغش والتدليس. وينظمها القانون، لكن القانون يفسره محتالون ومنحرفو الضمير والمجاملون، حتى وإن كانت هذه المجتمعات مجتمعات متدينة! فتدينها تحكمه حيل التبرير والازدواجية والنفاق والمجاملة والمخاتلة. وعلى الجانب الآخر في المجتمعات الاشتراكية تجد الفرق بين الشيوعية التي تلغي غريزة التملك، فتفشل فشلا ذريعا، أما الاشتراكية المعدلة التي جددت نفسها واعترفت بتلك الغريزة لكن نظمتها، فنجحت نجاحا كبيرا.

إن اتساع رقعة الفقر في بقاع الأرض والمجتمعات التي تحكمها ثقافة تملك فاسدة ومحتالة، وصل إلى معدلات غير مسبوقة، بسبب القوانين والتشريعات المنحازة لأصحاب رؤوس الأموال، وبسبب شِرْذِمَة من قضاة فاسدين ومجاملين، وبسبب موظفين غير أمناء، وقبل كل ذلك بسبب دعاة الفضيلة والعدالة والتدين الذين لا يتورعون عن أكل حقوق الغير. ولِمَ لا ؟ فهم يظنون أنهم في مأمن من الله؛ فها هم أولئك يتملقونه بالطقوس مثلما يتملقون بالمال كل من يرتشونه من كبار الموظفين أو صغارهم! سبحانه وتعالى عما يظنون ويتصورون. (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون. فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ). (سورة البقرة 9-12).

إن سياسات وقوانين البلدان المنحازة إلى “عصابة مالية طفيلية” هي التي أدت إلى تكدس الأموال في يد نخبة غير وطنية لا تحكمها سوى “الرأسمالية المتوحشة”. وهو ما ظهر على سبيل المثال في عصر مبارك قبل ثورة 25 يناير. وربما يكون أحد أكبر أخطاء ذلك العصر هو العجز عن التحول نحو “الرأسمالية الاجتماعية”، بل عدم الرغبة أصلا في هذا التحول!

إن غريزة التملك بحاجة إلى إصلاح حقيقي في ثقافة الأفراد، وثقافة النظم التي تديرها. بحاجة إلى عقل ديني جديد مرتبط ارتباط جذري بمفاهيم التنمية الاقتصادية والإصلاح الاقتصادي. إن الرابطة بين الاصلاح الديني والتنمية الاقتصادية رابطة جوهرية لابد أن ندركها ونتوقف عندها كثيرا، فلا تنمية اقتصادية بدون خطاب ديني جديد.

والخطاب الديني التقليدي تحكمه أفكار رجعية تفسد الدين كما تفسد الاقتصاد. ولابد من تغيير مفهوم “العمل الصالح” حتى يصبح هو العمل الأمين الملتزم بحدود وطرق انتقال الملكية، وهو العمل المنتج مثل الصناعة والزراعة. وهذا لن يحدث بدون التأكيد على أن اتقان الأعمال الدنيوية عبادة في وزن اتقان الطقوس والشعائر، وأن الاعتداء على ملكيات الآخرين كبيرة من الكبائر والموبقات لا ينفع معها تملق ولا تبرير، ولا يقلل من فداحتها أساليب المخاتلة والحيل دفاعية”.

مقال نشر للدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة في جريدة الأهرام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق