باقلاممقالات كبار الكتاب

موت الغرب .. أمنية وانتظار

بقلم أحمد نجم

* قضية فناء الإمبراطوريات السابقة كانت بمثابة علامات تعجب كثيرة صادفتني وأنا أتابع تأسيس بعضها, وكيف زالت بكل ما كان فيها من أدوات ثبتت أقدامها في عصورها, ولكن قضية الفناء كُتبت من قبل الميلاد ؛ لذلك أيقنت أن لكل بداية نهاية, ولكل قوة حالة ضعف, ولكل أمة فناء , كما أن لكل علاقة قوية نهاية, وجاء كتاب ” موت الغرب ” للكاتب الأمريكي ” باتريك جيه بوكانن” وهو سياسي وكاتب صحفي – عمل مستشارًا لثلاثة رؤساء سابقين لأمريكا – ليبشرنا في كتابه ” موت الغرب ” بأن المجتمع الغربي في طريقه للفناء لسببين ؛ أولهما موت السقوط الأخلاقي نتيجة الثقافات الغريبة , بالإضافة إلي موت النقص في تعداد السكان في المجتمع الغربي , الذي أصيب ثلث سكانه بالشيخوخة, وفتحت بعض الدول أبوابها للهجرة إليها لتستقيم من وجهة نظرها مجتمعاتهم هربًا من الوباء الجديد القابع في مستقبلهم .

وهي مجتمعات تحمل في أحشائها بذور الفناء الذي سيقضي عليها لتكون مثل الدبة التي قتلت صاحبها, واستدل “باتريك” في استدلالاته علي فناء المجتمع الأوروبي علي موت الفضيلة والقيم والأخلاق , تلك المفاهيم التي ثبت إنعدامها في كثير من الأسر الأوروبية في كثير من الدول الأوروبية التي تفسد القيم الدينية وتبيح العلاقات الإباحية والشذوذ, وتؤيد قضايا المثليين في زواج أبناء الجنس الواحد, و أتذكر تظاهرة شاركت فيها السيدة “هيلاري كلينتون” تؤيد فيها حقوق زواج أبناء الجنس الواحد “أبناء قوم لوط” كما نطلق عليهم, وأبدت فيها تعاطفها مع مطالبهم, ولم تكتف بذلك بل قامت بزيارة مع زوجها الرئيس الأمريكي الأسبق ” بيل كلينتون” بزيارة الممثلة الأمريكية السحاقية ” آن هيك” التي انفصلت عن صديقتها “إيلي هينيرس” ليقدما لها أسفهما علي قرار الانفصال . إذًا تلك هي قيم الفناء في مجتمعات غير اخلاقية , في دول تحتضر قريبًا , مثلما نقول في المثل العامي لدينا حينما نسمع بتلك الأوضاع الغريبة ونتعجب ونقول :

يا صديقي قل علي الدنيا السلام .
وجاءت الصرخات التي أطلقها “باتريك جيه” بمثابة تقديم أدلة الفناء حينما أكد بالأرقام انخفاض النقص السكاني في الدول الأوربية خلال الأعوام الخمسين القادمة, وسيكون أفظع من الوباء الأسود الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر, وقضي علي ثلث سكانها, ودلل “باتريك” على خطورة الإحصاءات التي أكدت هبوط معدل الخصوبة عند المرأة الأوروبية إلي طفل لكل سيدة, بينما الواقع يتطلب الضِعف لتعويض نسبة الفاقد في المجتمع الأوروبي , ولعل أخطر ما جاء هو النقص الشديد في تعداد سكان أوروبا بحوالي الربع , بينما تنمو دول العالم الثالث كالهند والصين ودول أمريكا اللاتينية, خاصة المسلمين بمعدلات كبيرة كل عام لتبلغ الزيادة حوالي 80 مليون مسلم سنويًا, واحتمال بلوغ التعداد السكاني لتلك الدول حوالي 4 مليارات نسمة بحلول عام 2050 , الأمر الذي يهدد أوروبا أيضًا.

وضرب “باتريك” أمثلة في موطنه أمريكا التي تزداد فيها عمليات الاجهاض بنسبة سنوية بلغت حوالي ٢٥ % كل عشر سنوات, ففي عام 1966 كان عدد عمليات الاجهاض حوالي سته آلاف سنويًا بلغت بعد عشر سنوات 600 ألف حالة سنويًا, وتزداد سنويًا بعد أن تم السماح بإجراء تلك العمليات كأحدى حقوق المرأة في تلك المجتمعات, تحميه دساتيرهم حتي وصلت تلك العمليات إلى ما يقرب من مليوني حالة سنويًا, بالإضافة لوجود أكثر من 25 % من الأطفال غير الشرعيين من نسبة تعداد الأطفال الأمريكيين, وبالطبع هم أكثر عرضة للدمار والفناء المبكر ؛ نتيجة الإنخراط في مجتمع أهم مفرداته المخدرات والأباحية في كل شئ, وهي أساليب فناء أسرع .

فغياب الإيمان يعني غياب الفضيلة, وغياب الفضيلة يدمر الجسد, وبالتالي التأثير الصحي على البنيان السليم يؤدي بالقطع للوفاة المبكرة, دون أن يكون لهم ذرية يتواصل معها مجتمع النمو السكاني , ويعيش هؤلاء الأطفال غير الشرعيين اللذين يقتربون من ثلث الأطفال في أمريكا بدون أب أو أم , ومؤخرًا زادت حالات الانتحار بينهم بنسبة كبيرة, بينما قلَّت نسبة الشباب الذين يأملون في الزواج, ولماذا الزواج والمجتمع لديهم يسمح بالحرية الجنسية الكاملة ويتيح كل شئ, مجتمع يتيح المعاشرة والإنجاب ثم فترة خطوبة تنتهي بالزواج أو الانفصال .

ويذكر “باتريك” أن التعداد السكاني أيضًا في خطر نتيجة التحديد, ففي ألمانيا مثلًا سيقل التعداد السكاني من 82 مليون نسمة ومتوقع أن يصل إلي ما يقرب من 60 مليون نسمة, ويشكل عدد المسنيين أكثر من ثلث التعداد السكاني, أيضًا في إيطاليا يقل تدريجيًا التعداد السكاني بنسبة 10% من حجم التعداد البالغ ما يقرب من 60 مليون نسمة, كذلك قل التعداد السكاني في أمريكا بنسبة 10 %, وفي روسيا تناقصت القوى البشرية بنسبة 30 %, وفي استراليا قل التعداد السكاني بنسبة 25 %, أيضًا في اليابان بلغت النسبة ما يقرب من 40 %, وكان السؤال المهم الذي طرحه “باتريك جيه” هو لماذا استجاب الغرب لفكرة تقليل الإنجاب؟

وجاءت الإجابة لتؤكد على أن فكرة الثقافات الحرة نتج عنها موت أخلاقي, وانهيار للقيم الدينية والاجتماعية, وتشجيع العلاقات الشاذة كان سببًا في تدمير خلية المجتمع الغربي تدريجيًا, وأعتقد أن ما ذكره “باتريك جيه” يُعد بمثابة انتصار لقيمنا الدينية و الاجتماعية الشرقية ,وتعتبر رسالة قوية لمن هاجمونا ونادوا بتطبيق تقاليدهم و مايقومون به عندنا, وتشدقوا بحقوق المرأة وحريتها في الممارسة, والديمقراطية والتحرر من القيود من وجهه نظرهم, وأيضًا من كانوا ينادون بتحديد الإنجاب لتقليل عدد السكان بدعوى أنها تؤثر على برامج التنمية, لكن الهدف الرئيسي الذي ترعاه أجهزتهم المخابراتية هو القضاء تدريجيًا على النمو السكاني في العالم العربي , بينما هم ينخرطون في مجتمع يضج بالرذيلة, ويستمتع بالملذات والترف, التي كانت من الأسباب المباشرة لسقوط الإمبراطورية الرومانية بجبروتها, وكثير من الإمبراطوريات السابقة, فهل يظل العرب ينتظرون موت الغرب لنحل كثير من قضايانا ومشاكلنا ونتخلص من تبعيتنا لهم ؟ أم نستغل تلك النعمة والطاقات البشرية التي لدينا بأخلاقياتها ونتوحد تحت راية عربية قوية ونعمل علي صنع و فرض القرار العربي وصناعة اللوبي القادر علي التخطيط والمواجهة ؟
سؤال سيظل ينتظر الإجابة …

بواسطة  أحمد نجم … نشر في صدي البلد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق