باقلاممقالات كبار الكتاب

الفن والعقل الديني ومعارك الكراهية

كتب دكتور محمد عثمان الخشت

“انحدار الفنون ليس نتيجة الوجدان المريض فقط، بل أيضا نتيجة غياب العقلانية؛ لأن الفن ليس نتاج الوجدان وحده، حيث يتدخل التفكير في عملية الإبداع، فالتفكير يقوم بدور في نقل الطاقة الفنية من الوجدان إلى التحقق الخارجي. وعندما يقوم التفكير العقلاني بدوره في صناعة العمل الفني، نجد الإبداع الفني متحققا في الخارج طبقا لقيم التناسب الهارموني والرياضي. وعندما يغيب التفكير العقلاني نجد الفنون محكومة بالعشوائية وغياب التناسق والانسجام والإيقاع. ويتوزع الجمهور بين طائفتين من المتذوقين: طائفة محبة للتناسق والانسجام والإيقاع، وطائفة تستمع بالعشوائية والنشاز وغياب الإيقاع. لكن المفارقة في بعض قطاعات المصريين والعرب أنهم يستمتعون بمنتجات شعبان عبد الرحيم ورفاقه في الوقت نفسه الذي يستمتعون بفن عمر خيرت!

ويلعب الفن دورا جوهريا في تنمية المشاعر من أي نوع. وبناء على نوعية المحتوى والشكل يمكن للفن أن يرتقي أو يهبط بالنوع الإيجابي، وأيضا يمكنه أن يدعم وينمي النوع السلبي. فالفن يمكن أن ينمي المشاعر المحبة للحياة، والجسارة، والتصالح مع النفس، والإباء، والتواضع، وعزة النفس، والكرامة، والشعور بالجمال، وتحقيق الذات والسمو. والفن قد ينمي مشاعر العدم، وانفعالات الكراهية، والسخط، والجبروت، والحقد، والغضب، والضغينة، والانتقام، والميل إلى القبح، إلخ. ومن ثمَّ يكون وقودا لمعارك الكراهية التي تقودها القوى العدمية الظلامية المعادية للحياة التي ترفع لواء العنف والتدمير والإرهاب والحرب في معارك الأيديولوجيات.

ومن هنا فإن ملف الفنون من أهم الملفات التي يجب أن تقوم عليها الدولة الوطنية، والمسألة ليست مجرد متعة وترفيه وإرضاء جمهور يترك أسوأ ما فيه من نوازعٍ همجية تقوده، بل جزءًا لا يتجزأ من عملية بناء المواطن الفعال. وللسير في هذا الاتجاه، أتصور أن تنمية “الحس الجمالي الفني” له دور كبير، فالفن الراقي والمتسامي بالغرائز يحرر الوجدان، وينمي الشعور بالإبداع. والفن الهابط يعكس قوى التوحش والعشوائية، وينزل إلى أحط ما فينا.

ومن ناحية أخرى، يجب بالتوازي إعادة بناء المعتقدات الدينية لكي تنمي مشاعر الحب، والرضا، والغبطة (الحسد البناء)، والبهجة، والفرح، والاطمئنان، والجسارة، والتصالح مع النفس، والإباء، والتواضع، وعزة النفس، والكرامة، والشعور بالجمال إلخ. وهي – كما ذكرنا من قبل -مشاعر الانفتاح على الحياة والنور وقوى الحب والخير، وتتحرك في دوائر الحضارة والإبداع وتحقيق الذات والسمو.

وفي المقابل، يجب توظيف الفن الإبداعي لا العشوائي، في تفكيك التيارات والأفكار المتطرفة التي ترسخ الأفكار المشاعر والانفعالات العدمية، وتشجع على الكراهية، والغضب، والضغينة، والانتقام، والسخط، والحقد، والكِبر، والميل إلى القبح، إلخ. وهي – كما ذكرنا من قبل أيضا – مشاعر العدمية والظلامية المعادية للإبداع، والتي تتحرك في دوائر قوى الموت والعنف والتدمير والإرهاب والقبح. وهنا يجب عدم مرور هذه الفقرة دون الإحالة على وحيد حامد الروائي والسيناريست النموذج الذي يجب استنساخه في هذه المعركة.

هكذا وجدنا أنفسنا، ونحن نتحدث عن الفن والوجدان والشعور بالجمال، نعود إلى معارك الأيديولوجيات الإرهابية، كما وجدنا أنفسنا في قلب إشكالية تطوير العقل الديني؛ فالعقل الديني التقليدي حوّل الدين النقي الأصلي إلى دين حرب في معارك الكراهية. ووظيفة العقل الديني الجديد أن ينتصر في معركة التأويل، حتى يعود الدين إلى نقائه الأول كدين سلام مع النفس ومع المجتمع ومع العالم، لكنه ليس دينا للخنوع، بل دينا حضاريا للبناء لا يقبل بالمهانة ولا الانكسار، دين للحياة لا للتوحش، دين للإنسانية لا للعنف المقدس، دين الرحمن الرحيم المبدع رب العالمين، لا دين التكفير والإرهاب والقبح والاقصاء.

إن الفن يلتقي مع الدين لأن كليهما يتعامل مع الوجدان، مع الروح. ومثلما هناك معتقدات دينية خاطئة يحملها العقل الديني الضال، فإن هناك فنا عشوائيا يحمله الوجدان الاجتماعي المريض.

ولن تجد وجدانا مريضا تحمله روحٌ مطمئنة، ولن تجد إرهابيا يحب الجمال الفني، ولن تجد متطرفا يتمتع بصفاء الوجدان. وإنما سوف تجد عداءً للجمال الفني ومعركة زائفة ضد الأعمال الفنية، وكأن أعداء الإنسانية هم في الوقت نفسه أعداء للإبداع الفني!

كما سوف تجد عند النظر في مسرح العالم الإنساني، أن الوجدان المريض ليس قرينا فقط للروح المضطربة، بل قرينا أيضا لعقل مغلق. والوجدان المريض والروح المضطربة والعقل المغلق، كلها ثلاثة أضلاع لمثلث واحد يضم بين جنباته طاقة غضب وضغينة وانتقام، تمثل الوقود لكل معارك الكراهية التي يخوضها المتطرفون من كل فصيل في الدين أو في الفن أو في السياسة.

نحن بحاجة ماسة إلى الانتقال من معارك الكراهية إلى معارك العيش المشترك والتنمية الشاملة، وليس هذا ممكنا فقط بتحرير الوجدان من طاقة الغضب والضغينة والانتقام وسائر مشاعر الهدم، بل إعادة بناء الوجدان لتغليب مشاعر البناء والحضارة والشعور بالجمال، على مشاعر التدمير والاضمحلال الحضاري والقبح. ولا يجب الاستهانة بدور الحس الجمالي إبداعا وتذوقا في هذا السياق.

وفي الوقت نفسه تحرير الروح بتأسيس خطاب ديني جديد لاستنقاذها من الظلمات التي تسبح فيها عبر محيط اجتماعي لُّجِّيٍّ مضطرب. وبالتوازي تطوير العقل لكي يتخلص من طرق التفكير القديمة وينتهج طرق تفكير جديدة تساعد فيما تساعد على تنمية القدرة على الوعي بالمشاعر والانفعالات والتحكم فيها وقيادتها من دوائر الكراهية والقبح الفني إلى دوائر التنمية والجمال الفني”.

بواسطة دكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة … نشر في جريدة الأهرام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق