باقلاممقالات كبار الكتاب

أحلام المسؤول أوامر

بقلم عبداللطيف المناوي

يمر المسؤول الكبير في مناسبة عامة ويرى أمامه كاتباً في صحيفة ـ رسمية أو شبه رسمية ـ فيقول له معاتباً أو زاجراً: ما هذا الذي كتبته يا فلان؟ ويحاول الكاتب شرح وجهة نظره التي لا يستمع إليها المسؤول أو يوليها اهتماماً، وينتهي الموقف ويبقى الأثر، فيتحول ذلك الكاتب إلى شخص (مستحل)، تبدأ السهام في الاتجاه نحوه وإصابته، ويبدأ المعاناة من غياب الذين كانوا حوله في يوم من الأيام، ويختفي طالبو الود سابقاً، وتغيب كتاباته عن الصحيفة.

تظل الحال هكذا حتى يأتي يوم آخر ـ إن أتى ـ يلتقي فيه ذلك المسؤول بذلك الكاتب مرة أخرى، ويسأله: لماذا لم تعد تكتب يا فلان؟ ولا ينتظر منه إجابة أيضاً، ولكن تتغير الحال ويعود إلى سابقه، فقد تمت إعادة الغطاء إلى الكاتب الذي سبق أن رفع عنه بإيماءة مسؤول.

هذه القصة ليست قصة شخص بعينه أو مسؤول محدد، ولكنها قصة تقليدية متكررة في مجتمعاتنا، وهنا لا تهم تفاصيل القصة بقدر دلالتها التي تعبر عن ثقافة خاصة في المجتمع، يمكن أن أسميها ثقافة تحسس تجاه المسؤول أو (قراءة أحلام المسؤول)، وفي تعبيراتنا المتداولة في إطار التندر أو الفكاهة والمزايدة يقال تعبير (أحلام سعادتك أوامر).

آثار هذا المرض لا تقف عند حدود النفاق الواضح للمسؤول، ولكنها تتخطَّى ذلك إلى أمور أخرى حياتية، أظنها تصب في النهاية في خانة إعاقة أية مجهودات إصلاحيَّة.

ما ذُكِر آنفاً، نموذج متكرر في مستويات ومجتمعات مختلفة، فمن يعملون مع المسؤول لا يملكون جرأة مناقشته في ما يقول أو يأمر به، ويبحثون عن نياته واتجاه تفكيره وذلك لالتقاط ما يفكر فيه المسؤول أو يحلم به للسير في الاتجاه الملهم للمسؤول، بل وتتخطى الأمور حدودها عندما يصل حملة المباخر هؤلاء، إلى مستوى تنظير ما ينطق به المسؤول، والبحث عن مزاياه الخفية وحكمته السديدة ورؤيته التي تتخطى حدود رؤية العامة من أمثالنا.

لقد أردت أن أشير إلى مشكلة حقيقية أظنها عائقاً كبيراً أمام أي تقدم مجتمعي، وهي: العجز عن مساءلة المسؤول.. العجز عن مناقشة القرار أو التهرب من مناقشته، بل والتمادي إلى حدود التنظير للخطأ أو الجهل.. كل هذه المشكلات حقيقية، وهي ليست وهماً، كما أنها ليست أمراً هامشياً.

بواسطة عبد اللطيف المناوي … نشر في صحيفة رؤية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق