باقلاممقالات كبار الكتاب

يهود الفلاشا أزمة مصير وفرحة عرب

بقلم أحمد نجم

** لم يكن الأمر غريبًا لدىَّ عندما راقبت تلك الفرحة والسعادة العربية، وتضرع البعض لله سبحانه وتعالى بأن تزداد تظاهرات يهود الفلاشا في إسرائيل, ويزيدهم الله خرابًا, تلك الأزمة التي حدثت بسبب مقتل يهودي من أصل أثيوبي في إحدى الحدائق العامة على يد شرطي إسرائيلي, لم أندهش فلدىَّ قناعة بأن قادة العالم العربي أصبحوا يتمنون حل قضاياهم بالدعوات لله فقط, دون إتخاذ مواقف إيجابية, فنحن نجلس في بيوتاتنا ونطلب من الله أن يمن علينا بملايين الدولارات والسيارات والشقق الفارهة دون أن نعمل ونتعب , وأن يرزقنا الله السعادة دون أن نسعى إليها ونؤسس خطواتها ونضع بذورها , وأن يقضي الله على إسرائيل ويدمرها دون أن نتخذ من المواقف ما يؤدي لذلك. اكتفينا في ختام الصلوات بدور العبادة بالإبتهال إلى الله أن يدمر شملهم, ويشتت أمرهم, ويسلط عليهم قوة تدمرهم , و غالبًا ما كانت تنتابني نوبة من السخرية من هؤلاء الذين يسكن الضعف قلوبهم وأجسادهم, فليس بالدعاء وحده نقضى على إسرائيل و نفني جيشها , ونشتت أمرهم, وهو الدعاء المنتشر بين أئمة مساجدنا “اللهم شتت شملهم, وسلط عليهم من لا يرحمهم وأنزل عليهم غضبك”.

وكنت أتعجب كيف يستجيب الله للكسالى والضعاف والجبناء ؟ يقيني أن الله يحب المؤمن القوي, لكننا من حال قادة أمتنا وتخاذلهم تجاه حل القضية الفلسطينية أصبحنا لا نملك سوى الدعاء على إسرائيل فقط , ولم نعمل بتلك الآية الكريمة التي تدعوا للعمل واتخاذ المواقف, والتي يقول فيها الله سبحانه وتعالى : “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”. أصبحنا كمن يفرح و نشمت ونستعرض عضلاتنا عندما نجد شخصًا آخر يضرب من اعتدى علينا لعدم قدرتنا على مواجهته بسبب حالة الضعف العربي, والتخاذل حيال التصرف لإيجاد الحلول, ولذلك أصبحنا نسعى لمن يحل قضيتنا, ويدافع عنا أو ينتقم ممن ظلمنا, فعندما حدثت الأزمة بين يهود إسرائيل ويهود الفلاشا خلال الساعات الماضية سادت حالة من الفرح والسعادة لدى المجتمع العربى, وانتشر الدعاء على السوشيال ميديا لله بأن يزيدهم , وحقيقة الأزمة التى نشبت بين اليهود الإسرائيليين ويهود الفلاشا – الذين هم أصلًا من الأصول الأثيوبية- بسبب قيام شرطي إسرائيلي بقتل مواطن من يهود الفلاشا, ونشبت تظاهرات أصيب فيها ما لا يقل عن حوالي ١٥٠ شخصًا, بينهم أكثر من مائة من الشرطة الإسرائيلية, وازدادت التظاهرات وقام المحتجون الذين بلغ عددهم ما يقرب من ٦٠ ألف يهودي من الفلاشا بإشعال النيران في السيارات, وإغلاق الطرق, ورشق الشرطة بالحجارة, الأمر الذي بات يهدد الأمن الإسرائيلي بعد أن هدد اليهود الأثيوبيين بالزحف إلى ميدان “رابين” -أشهر ميادين تل أبيب- والقصاص من قاتل الشاب الأثيوبى “سلومون تيكا” الذي يبلغ من العمر 19 عامًا, والذي قُتل برصاصة شرطي إسرائيلي متقاعد, بدعوى أنه أثناء قيامه بفض مشاجرة بين شباب تعرض للاعتداء عليه, وتم إلقاء حجرًا عليه هدد حياته في إحدى الحدائق العامة, فقام بإطلاق النيران على الشاب فأرداه قتيلًا, وتم احتجاز الشرطي في منزله تحت التحفظ, لمواجهة الضغط الكبير والتظاهرات التي اندلعت من يهود الفلاشا تطالب بالقصاص من قاتل أحد ابناء عقيدتهم .

ويهود الفلاشا هم من أصول أثيوبية, تم تهجيرهم بالآلاف من “أديس أبابا” ابتداءً من عام 1979 عن طريق الموساد الإسرائيلي, من خلال طائرة كان يقلها الطيار “موشيه شاكيد” الذي تدخل لمحاولة فض التظاهرات الحالية لما له من مكانة عالية عند يهود أثيوبيا منذ أن أشرف وقاد عمليات تهجيرهم من أثيوبيا لإسرائيل , من خلال عمليات سرية لتوطين أكثر من ١٥٠ ألف من يهود الفلاشا من ذوي الأصول الأثيوبية في إسرائيل لدعم تواجد الكيان الإسرائيلي, ولإرضاء الأصوات التي كانت تنادي بعودة اليهود لإسرائيل, وقد بدأت هذه الدعاوي عام ١٩٤٩ عن طريق دعوى أطلقتها الوكالة اليهودية أثناء زيارة أحد قيادتها و يدعي يعقوب وينشتاين لأثيوبيا, و الذي نادى بهجرة يهود أثيوبيا. غير أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عارضت دعوته بزعم أن هؤلاء اليهود يحملون أمراضًا وراثية مُعدية ؛ بسبب حالة الفقر التي كانوا يعيشونها في أثيوبيا, و فيما بعد تعنت حكام إسرائيل في تسهيل العودة أمام مطالبات الوكالة اليهودية ذات التأثير القوي في المجتمع الإسرائيلي. وكان من جراء ذلك أن وافق “إسحق رابين” رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك و يقرر في عام 1975 بتطبيق “قانون العودة”, وموافقته على هجرة حوالي 150 ألفا من يهود أثيوبيا, الذبن عرفوا بيهود الفلاشا, وبدأت الهجرة لإسرائيل منذ عام 1979, وفي خلال عشر سنوات كان عدد اليهود الذين وصلوا لإسرائيل حوالي 60 ألف في عمليات سرية, أطلق عليها إسم “عملية موسى”, وتم توزيعهم على 9 مناطق و تركز بعضهم في الضفة و مناطق المواجهه , لكن كانت هناك محاولة في عدم تجميعهم متقاربون لكي لا يشكلوم نقاط ضغط على الحكومات الإسرائيلية, ولكونهم كانوا يعانون من الفقر وانتشار الأمية وانعدام الفائدة , فقد بلغت نسبة البطالة فيهم حوالي 75 %, وأصبحوا يشكلون عبئًا على الاقتصاد الإسرائيلي , غير أن اللوبي الصهيوني والوكالة اليهودية كانت تتجاوز عن ذلك وتقدم الدعم مقابل إعادة التوطين و زيادة أعداد اليهود في الأرض المحتلة , وتأكيد وزيادة التواجد على الأرض المحتلة كانت هي الرغبة و الهدف الأول في التهجير من اثيوبيا , وقدمت لهم مساعدات وحاولت بقدر الإمكان تقليل نسبة البطالة والاستفادة منهم.

وبدأت معدلات البطالة تقل إبتداءً من عام 2005 بين يهود الفلاشا أصحاب الأصول الإثيوبية الذين يطلق عليهم إسم “بيتا إسرائيل” – و تعني جماعة إسرائيل- ولكن برغم تلك المساعدات عانى يهود الفلاشا من العنصرية, وأيقنوا أنهم ليسوا جزءً من المجتمع اليهودي الشرقي , فهم لا يتمتعون بنفس الحقوق في التعليم والوظائف في المجتمع الإسرائيلي, وأكثر من مرة حدثت تظاهرات ضد التمييز العنصري الذي يتعرضون له, وكانت من أبرز الحوادث العنصرية الاعتداء على جندي من أصل أثيوبي , وما أشعل الموقف وتأكيد العنصرية هو قيام أحد المراكز الطبية الإسرائيلية بإلقاء دم تبرعت به نائبة يهودية من أصل أثيوبي في الكنيست في سلة القمامة.

كانت تلك علامة مؤكدة على ظاهرة العنصرية الإسرائيلية تجاه يهود الفلاشا , والتفرقة بينهم مما أصابهم بالإحباط من استحالة اندماجهم في المجتمع الإسرائيلي واليهود الشرقيين, واندلاع التظاهرات في المدن الإسرائيلية إرتبط بالاحتجاج على مقتل الشاب سلومون تيكا ؛ لكنه حصيلة تراكم سلسلة من معاناة الفلاشا واضطهادهم داخل إسرائيل, و كانت فرصة للتعبير عن ثورة الغضب التي تحيط بهم وحالة الكبت التي يعيشونها و أعادوا شعارات المطالبة بالإندماج الحقيقي في المجتمع الإسرائيلي غير أن التحدي الحقيقي هو إمكانية السيطرة على تظاهرات ما يقرب من 80 ألف يشعلون النيران في كل شئ .. فيهود الفلاشا اشعلوا النيران في إسرائيل لمقتل مواطن بينما يقتل من الفلسطينيين المئات دون أن يتحرك أحد و توجه حماس نيرانها لجيرانها المصريين و تتناسي العدو الرئيسي مغتصب أرضهم.

فهل تكون تلك هي البداية لتأجيج الصراع داخل إسرائيل ؟ أو أن تنال نتائج ثورات الفوضي الخلاقة التي أسستها الشيطانة الأمريكية كونداليزا رايس من واقع إسرائيل في ظل تزايد أعمال العنف ؟ أم أن أمريكا ستتدخل بقوة وتساند الحكومة الإسرائيلية التي لم تجد مساندة من آي رئيس امريكي سابق مثلما يحدث من ترامب . إسرائيل الأن باتت تتعرض لهزات قد تؤدي بانهيارها في حالة استمرار وضتزايد التظاهرات , ولكن يبقى تساؤل قد يبدو مستحيلًا من وجهة نظري وهو :
هل يمكن لقادتنا العرب إستغلال فرصة الصراع العرقي ويدعمون التظاهرات والعمل على تغذية و إشعال الموقف أكثر داخل إسرائيل ؟ أم تطلق الجامعة العربية بيانًا تطالب فيها الأطراف المعنية بضبط النفس ..

بواسطة أحمد نجم ..نشر في صدي البلد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق