باقلاممقالات كبار الكتاب

يستثمرون في «فُلْك نوح»

بقلم أحمد المسلماني

تحتل قصة سيدنا نوح موقعاً بارزاً في قصص الأنبياء، فهو أحد أولي العزم من الرّسل ثم إنه يكاد يكون الأب الثاني للبشرية.

يعرف العالم الكثير عن فلْك نوح عليه السلام.. إنّها الفلك التي جرى وصفها في الكتب الثلاثة: القرآن والإنجيل والتوراة.

في القرآن الكريم ذِكرٌ لبقاء الفلك عدة أجيالٍ بعد الطوفان: «وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ»، ويتحدث أغلب المفسرين عن أن الله قد أبقى فلك نوح عدة أمم تالية.

في الديانات الثلاث وصف للشرّ والخطايا التي كان عليها الناس في زمن نبي الله نوح، وقد جاء الأمر الإلهي بإنقاذ المؤمنين ومعهم زوجان من كل المخلوقات في الفلك، وهلاك غير المؤمنين بالطوفان.

وعلى مدى قرون حاول الباحثون وعلماء الآثار والحفريّات الوصول إلى الفلك(أو السفينة كما هو شائع ومتداول)، وكثرت المزاعم في هذا الاتجاه، وفي كل فترة يتحدث الناس عن العثور على بقايا فلك نوح، وقد زعمت جهات في تركيا والعراق واليمن أن فلك نوح قد استقرت على «الجودي» في بلادهم، ويتحدثون عن مواقع قرب الفرات في العراق، وعلى مواقع في شبوه باليمن، وعلى موقعٍ في جبل «آرارات» بتركيا.

في القرن التاسع عشر صعد البعض إلى قمة جبل آرارات، ولقد توالى ذلك في القرن العشرين، وأعلنت تركيا أن ما وجدته هو سفينة نوح، ثم أقامت متنزهاً ووضعت الموقع على خريطة السياحة التركية.

لا دليل علمياً واحداً على أن ما تمّ الإعلان عنه في تركيا هو فلك نوح، لكنّ ذلك لم يمنع السياح من الذهاب والتقاط الصور، ليقل العلم ما يشاء لكن السياحة قالت كلمتها، وذهب الناس ودفعوا لأجل ذلك.

ثمَّة من كانوا يفكرون في الاستثمار ذاته في العالم الجديد، فلقد بدأ البعض في ولاية كنتاكي الأمريكية مشروعاً سياحياً باسم «سفينة نوح».

قام المشروع على بناء سفينة تطابق تماماً فلك نوح كما جاء في الكتاب المقدس.. بدأ المشروع في عام 2010 وقامت شركة متخصِّصة بعملية التشييد، وجرى بناء سفينة بالمواصفات الدينية بطول 155 متراً في عرض 25 متراً، وبارتفاع ثمانية طوابق، وفي عام 2016 تم افتتاح «المنتجع الديني» للسياح.

انبهر السياح بالسفينة، وراحوا يزورون طوابقها واحداً وراء الآخر.. شاهدوا مجسَّمات لكل الحيوانات والطيور التي كانت في فلك نوح، والتقطَ الكثيرون الصور التذكارية مع نماذج الديناصورات التي ركبت السفينة.

حين تمّ الإعلان عن المشروع الاستثماري، أيّده اقتصاديون ورأوا أنّه سيجني عوائد كبيرة.. كلّفت السفينة مئة مليون دولار، وتوقّع المستثمرون الدينيون أن يصل عدد الزوار إلى مليوني زائر سنوياً، وهو ما دفع سلطات ولاية كنتاكي لمنح المشروع ملايين الدولارات بإعفاءات ضريبية.

انتقد العلماء من المؤمنين وغير المؤمنين المشروع، ولكن المشروع مضى.. انتصرت دراسات الجدوى وفاز تحالف المستثمرين.. لقد كان ذلك نموذجاً صارخاً لاقتصاديات الدين، أو الاستثمار الرأسمالي في شؤون دينية.

بواسطة أحمد المسلماني … نشر في موقع الرؤية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق