باقلاممقالات كبار الكتاب

إذا أردت أن تحافظ على لحيتك..!

بقلم أحمد المسلماني

في موريتانيا.. التقيتُ الدكتور مصطفى سيرتيش المفتي السابق لجمهورية البوسنة والهرسك.

يمتلك الداعية الكبير لغةً عربيةً رفيعة، كما أنه يمتلك ثقافةً واسعة تمتدّ من الفقه إلى السياسة، ومن الفلسفة إلى التاريخ.

في مؤتمر نواكشوط.. جاء مقعدي على المنصة إلى جوار الدكتور سيرتيش، وجاءت كلمتي عقب كلمته، ولقد أعجبتُ كثيراً بحسنِ حديثه وقوّة رسالته.

روى لنا الفقيه البوسنى قصّة مذهلة: «أثناء حرب البوسنة في تسعينات القرن الماضي، وبينما الجثث في كل مكان، والدمار في كل موقع، وبحار الدم بلا حدود.. جاء شاب بوسني مسلم يسألني عن طول اللحية الواجب من الناحية الشرعية.. لقد تصورت أنه يمزح، ولم أتقبّل المزاح في تلك الأوقات الصعبة، لكنّني فوجئت بأنه جادّ في سؤاله ولا يمزح، ولمّا صُدمِتُ حين أدركت جديّته قلت له: يا أخي.. ألّا ترى الموت من حولنا، ألا ترى دمار البشر والحجر وكل شيء.. يجب أن يبقى الرأس حتى تبقى اللحيّة.. يا أخي: إذا أردتَ أن تحافظ على لحيتك فحافظ على رأسك».

ثم واصل الدكتور سيرتيش راصداً الفارق بين أوروبا والعالم الإسلامي: «إن الأوروبيين لا يحبّون بعضهم البعض، لكنهم يحترمون بعضهم البعض.. نحن في العالم الإسلامي نملك الحب ولا نملك الاحترام، ولو تحوّلت المشاعر الإسلامية من الحب إلى الاحترام لكانت أمتُنا في مكانٍ آخر.. إن ما يجب أن نعمل له ليس أن يحبّ بعضنا بعضاً بل أن يحترم بعضنا بعضنا».

كان ما قاله الفقيه البوسني مهمّاً للغاية، ولمّا اطلعتُ على ورقة له قدمها في مؤتمر الإفتاء بالقاهرة اتسعت أمامي رؤيته.

يذهب المفتي سيرتيش إلى أن الأمة الإسلامية منقسمة وضائعة، وأن الفتوى يجب ألا تكون فقط استنباط الأحكام الشرعية، وإجابة السائلين بما نجتهد في الحكم والقرار، ولكن أيضاً يجب الإصلاح النفسي للأمة قبل إصدار الفتاوي والأحكام.. يجب دفع الأحزان عن المسلمين، وعلاج آلامهم النفسية، ومداواة جروحهم الذاتية.

أشار الفقيه البوسني إلى رسالة للفيلسوف العربي الأول «الكندي» بعنوان «الحيلة لدفع الأحزان»، وفيها قال الفيلسوف: «أن إصلاح النفس مقدّم على إصلاح الجسم»، وقبل الكندي كانت هناك رسالة مهمة للفيلسوف الرومي بوئثيوس بعنوان «عزاء الفلسفة»، وكان جوهرها حتميّة إصلاح الفرد قبل النظر في الإصلاح الكلي للمجتمع، وقد كان لهذه الأفكار دور كبير في النهضة الفكرية الأوروبية فيما بعد.

إن الواجب – حسب سيرتيش – أن تعزز الفتوى الثقة النفسية والأخلاق النبيلة عند المسلمين قبل الحكم عليهم والقرار بشأنهم.. إن إدخال الطب النفسي في الفتوى هو إسهام كبير للفقيه البوسني في ظل جفاف الفقه وخشونة الدعاة.

لقد قطعت أمتنا قروناً طويلة في رحلة الآلام، وهي تواجه كل يوم المزيد منها، لذلك فإن تضميد الجروح وتجفيف الدموع يجب أن يسبق السياسة والاقتصاد.. الغارقون في الأحزان لا يمكنهم إنقاذ السفينة.. القابعون في ظلمات اليأس لا يمكنهم صناعة الأمل.

بواسطة  أحمد المسلماني … نشر في الرؤية الأماراتية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق