باقلامبقلم رئيس التحرير

من وراء الفساد في “المحليات”

بقلم جودة عبد الصادق إبراهيم

 بعد ساعات من وقوع الحادث بقتل الشاب بالكافية وقد شهد مقهى «كيف»، بمصر الجديدة، جريمة قتل الشاب محمود بيومي، عقب مشاهدته مباراة مصر والكاميرون ، بعد خلاف مع العاملين في المقهى؛ بسبب الحساب ، وقد شنت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن القاهرة، حملة لإغلاق المقاهي المخالفة وغير المرخصة، بمصر الجديدة.

 «لا يمكن لأحد أن يعترض على تنفيذ القانون، لكن المنطق والعقل يقول إنه كان يجب إعطاء مهلة لأصحاب هذه المقاهي؛ لتوفيق أوضاعهم»،  “أنا لا يعنيني أصحاب هذه المقاهي، لكن ما يهمني هم العاملين بها، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نمر بها”.

 يبدو أننا نحتاج لشيء أقوى من الثورات ليطهر هذا الفساد الذي أصاب الوطن.. وما غير الثورات لا شيء والعياذ بالله إلا الكوارث.. فهل نحن محتاجون لكارثة كبيرة –أسأل الله تعالى أن يحفظنا ويحفظ وطننا من كل سوء- لكي يستيقظ الناس وينتبه الفاسدون والمفسدون على أن هذا الفساد لا ينفع أحدًا..؟! بل إنه كالغول الذي سيأكل الجميع.

  يجب على الجميع أن يعلموا أن الفساد يهدد حتى الفاسدين أنفسهم وهذا الوعي هو الذي يقلل الفساد في الدول المتقدمة مدنيًّا وإن لم يكن لهم منهج أخلاقي منبعث من دين سماوي مثلنا.. ولكنهم في أبسط الصور لا يفسدون مثلا في المرافق العامة فمن الصعب أن تمتد يد أحدهم للعبث .بمركبة عامة لإدراكه أنه المستفيد منها وأن إفسادها سوف يؤثر عليه قبل غيره.. والذي يمرر طعاما فاسدا يدرك جيدا أنه سوف يضر الناس وقد يتسبب في وفاتهم وقد يكون من بينهم أقاربه وحتى إن لم يكونوا من بينهم فإنه يدرك أن استمرار تجارته ومكاسبه يكون بحياة الناس وليس بموتهم.. والناس المحترمون المتقدمون غير المتخلفين لا يلقون بالقمامة في الشوارع لأنهم يدركون أن هذه الشوارع لهم وملكهم وهم الذين يمشون فيها فيحافظون عليها ولا يؤذون أنفسهم بأنفسهم.

  وأن «هذه الحملة تشير إلى أسلوب عشوائي لتنفيذ القانون، فلماذا لم تُشن هذه الحملة إلا بعد حادث مقتل الشاب محمود بيومي؟، ولماذا اقتصرت على مصر الجديدة فقط فأين الزمالك والمهندسين والمعادي؟»، «لو كانت هذه الحملة قد شُنت بمهلة وبدون كارثة لرفعنا لها القبعة».

  واناشد هيئة الرقابة الإدارية بالتدخل في هذا الأمر، «لابد من التحقيق مع رؤساء الأحياء الذين سمحوا بفتح هذه المقاهي دون تراخيص».

  وأن موضوع المقاهى كان قد أثير إعلاميا فى العام الماضى، فقام حى مصر الجديدة بحملة محدودة استهدفت عددا من المقاهى لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، لكن تلك المقاهى «وفقت أوضاعها» وعادت إلى العمل مرة أخرى خلال أسابيع محدودة، ثم شملتها الحملة الأخيرة. وهو ما يعنى أمرين، الأول أن فساد المحليات قادر على الالتفاف على القرارات الإدارية. الثانى أن شدة الحملة الأخيرة واتساع نطاقها يدل على أن التعليمات الخاصة بها صادرة من جهات أعلى من الباشوات الذين يملكون المقاهى أو يحمون أصحابها.

   وحينما تهدأ الموجة فلا غرابة أن تعود ريمة إلى عادتها القديمة، كما يقال. الأمر الذى يجعل السؤال الذى بدأت به الكلام .

  وأن تفاقم ظاهرة الفساد تسبب فى إلحاق خسائر بالاقتصاد الوطنى تصل إلى 50 مليار جنيه سنويا .

   وعن وقائع الفساد أن المخالفات التى يقع فيها المسئولون عن الإدارات المحلية فى المحافظات والتى تشكل »واقعة فساد« تتمثل فى اختلاس مبالغ مالية دون توريدها إلى الخزانة العامة والاستيلاء على ممتلكات حكومية، والسرقة من عهدة المخازن.

بهذا الوعي ترتقي الأمم والشعوب من حولنا ونتأخر نحن بجهلنا وتخلفنا.

  وأن أوجه فساد المحليات تتضمن صرف حوافز ومكافآت دون وجه حق من أموال الصناديق والحسابات الخاصة، وأيضا صرف قيمة مشروبات ومأكولات من حساب تلك الصناديق لبعض العاملين دون مبرر، فضلا عن التراخى والإهمال فى تحصيل إيرادات مستحقة للدولة عن الإيجارات والضرائب العقارية والتأمين النهائى المستحق على بعض الشركات.

  وعدم سداد حصة وزارة المالية من إيرادات بعض الأنشطة التى تمارسها الوحدات المحلية التنفيذية بالمخالفة للتأشيرات الملحقة بالموازنة العامة. وصرف مبالغ لبعض الجهات بأكثر من القيمة المستحقة لها طبقاً للفواتير المقدمة للتحصيل.

  وأيضا الاستيلاء على إيرادات بعض الأنشطة المحلية مثل إيرادات مشروع المحاجر وإيرادات التربية والتعليم، والضرائب العقارية، وكذلك الاستيلاء على الأدوية دون وجه حق.

 بالإضافة إلى صرف رشاوى مقنعة لبعض العاملين فى وزارة التنمية الاقتصادية المنوط بهم الموافقة على اعتمادات النفقات الاستثمارية للإنشاءات والمشروعات فى بعض المحافظات، وذلك بالمخالفة للائحة الموازنة والحسابات ولتعليمات وزارة التنمية الاقتصادية.

 وإلى صرف مبالغ مالية من حساب الموازنة العامة دون وجود مستندات مؤيدة للصرف بالمخالفة للقوانين واللوائح المالية.

 وأن ظاهرة الفساد فى المحليات ترجع فى المقام الأول إلى المناقصات والأمر المباشر من قبل كبار وصغار المسئولين بالإدارة المحلية، كما أن ضعف أجور مهندسى الأحياء فتح الباب أمام الرشوة والمساومات وهجرة الكفاءات الهندسية من العمل بالمحليات هربا من المسئولية الهندسية التى تجعلهم دائما عرضة للمساءلة القانونية.

  فتفاقم ظاهرة الفساد تسبب فى إلحاق خسائر بالاقتصاد الوطنى تصل إلى 50 مليار جنيه سنويا. فضلا عن هروب رءوس الأموال الأجنبية والوطنية نتيجة للمعاناة فى إجراءات إنشاء المشروعات وتحميل تكلفة المشروعات بالرشاوى مما يؤدى إلى ارتفاع التكلفة الاستثمارية لها. بالإضافة إلى ظهور الاحتكارات فى إنتاج بعض السلع والخدمات، وعجز موارد الدولة نتيجة لانتشار التهرب الضريبى والجمركى لكبار المستثمرين، والركود الاقتصادى وانخفاض الصادرات لارتفاع تكلفة المنتج المحلى وضعف أجهزة مراقبة الجودة. وأيضا ظهور جرائم غسل الأموال وهروب بعض المتهمين خارج البلاد.

  فضلا عن بطء إجراءات المحاكمة .. ومحاولة عرقلة هذه الإجراءات باستخدام الأساليب الملتوية للتهرب من المسئولية القانونية.

  يؤثر فساد المحليات سلبيا على قطاع المشروعات الصغيرة وذلك لوجود علاقات قوية بين القطاعين، حيث تتحقق معظم مصالح هذا القطاع من خلال أجهزة الإدارة المحلية.

  واستحداث الأجهزة الرقابية المسئولة عن مكافحة الفساد فى حالة ظهوره مع زيادة وتفعيل مشاركة المواطنين على المستويات المحلية، مما يشكل نوعا من الرقابة الشعبية على الفساد، واستحداث آليات المراقبة لمخصّصات الموازنة.

  إنشاء جهاز لتلقى شكاوى المواطنين والتحقيق مع المسئولين فى الأجهزة التنفيذية منعا للانحراف والفساد، ووضع حد أقصى لبقاء المسئول فى منصبه بحيث لا يتجاوز ثلاث سنوات على سبيل المثال، وتفعيل دور »الجهاز المركزى للمحاسبات«، وتمكينه من مراقبة تنفيذ توصياته، وإتاحة الشفافية فيما يتعلق بإتاحة تقاريره للجمهور للاطّلاع عليها، فضلا عن استقلاله تماما عن المؤسسة الرئاسية.

ويجب إشراك المجتمع المدنى وإشراك مجموعات المفكرين وجمعيات الأعمال فى عمليات الإصلاح حتى يمكن نشر الوعى بالتكلفة الباهظة للفساد، ومن ثم التشجيع على المطالبة بالتغيير، رفع القيود الحكومية على عمل منظمات المجتمع المدنى وحرية الإعلام، وتطوير القطاع العام من خلال جعل الكفاءة أساس التوظيف والترقية وتحسين الأجور وجعلها واقعية ومتناسبة مع الأسعار .

الله يحميكي يامصر من الفاسدين في الأرض

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق