بقلم رئيس التحرير

أصدقائي الذين فقدتهم

كتب   جودة عبد الصادق إبراهيم

 تحدثنا كثيرا عن ضرورة لم شمل الوطن وخطورة الانقسام الحاد الذي نعاني منه الآن وما قد ينجم عنه من حرب أهلية لا قدر الله إذا تركنا الوضع على ما هو عليه بل وواصل الإعلام بث روح الفرقة والكراهية بين أبناء الوطن، فرغم أني لم أكن في يوم من الأيام مؤيدا لجماعة الإخوان المسلمين سياسيا، وراض تماما عن إبعادهم عن السلطة في هذا الوقت لإعادة رسم خارطة الوطن من جديد، أقول رغم ذلك لا يرضيني قول أحد أبرز الإعلاميين، وهو الأستاذ يوسف الحسيني (ادبح خروفين بدل خروف واحد في العيد لتغيظ الإخوان).

   إن مثل هذا الكلام بدلا من أن نجعل من العيد فرصة لتضميد الجراح والمصالحة الوطنية يجعل حضرته من عيد الأضحى مناسبة للتهكم والشتائم التي لا يستفيد منها الوطن شيئًا غير الدمار والشقاق بين الأشقاء.

  إنني أتذكر منذ سنوات ليست بالبعيدة حين كان العيد يجمعني مع أربعة أصدقاء من بينهم مسيحي، الآن إذ أتذكر هؤلاء الأصدقاء أتعجب لأنني فقدت اثنين منهم أحدهما وهو المسيحي قتل في أحداث ماسبيرو والآخر قتل في أحداث رابعة العدوية وأما الثالث فهو بالقوات المسلحة وقد أصيب في أحداث سيناء وهو يقوم بواجبه.

  كلهم أصدقائي وأنا أحبهم جميعا ولكن للأسف هذا الانقسام السياسي فرقنا تماما ليس بالاختلاف في وجهات النظر وإنما بالموت البارد، لم أفقد أصدقائي في حرب ضد اليهود وإنما في فتنة تمر ببلدنا الحبيب الكل فيها خسران كما قلت في مقال سابق..

  هل يعود الوطن كما كان..؟ يحتضن أبناءه ويحتضنه أبناؤه..؟ نذهب إلى أعمالنا سعداء ونعود سعداء مطمئنين نستمتع ليلا بالقاهرة ونيلها وجمالها كازمان..؟

   العيد يا حضرات كان مناسبة للمحبة تجمع المصريين مسيحيين ومسلمين ومسلمين ومسيحيين، لا يفرقهم إلا الموت، بل إن الموت لم يكن يفرقهم بل كان يجمعهم في العزاء، فتجد سرادق المسلم مليء بالمسيحيين وكذلك عزاء المسيحي تجد أكثر المعزين من المسلمين، أما الأفراح فما أجملها وما أبهاها، وأما الحفلات العامة فلا تكاد تفرق بين أبناء الوطن الواحد.

  نعم كنا هكذا حتى إن المستعمر الإنجليزي على لسان أحد قادته قال كلمته المشهورة (لا فرق بين مسلم ومسيحي في مصر غير أن أحدهم يذهب إلى المسجد والآخر يذهب إلى الكنيسة)، وعندما لوح الاستعمار الإنجليزي بالفتنة الطائفية قال الأب سرجيوس كلمته المشهورة (لو أن الإنجليز يريدون أن يحتلوا مصر لحماية المسيحيين فليمت جميع المسيحيين ليعيش المسلمون أحرارا) وهو الذي قال على منبر الأزهر الشريف: (إن الوطن لا يعرف عمائم سوداء ولا عمائم بيضاء وإنما يعرف المخلصين من أبنائه)..

  فهل أعدنا تلك الأيام الجميلة التي كان العلماء والإعلام والأدباء والشعراء كلهم يعملون على لم شمل الوطن حتى قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

نُعْلِي تَعَالِيمَ المَسِيحِ لأجْلِهِمْ * وَيُوَقِّرُونَ لأجْلِنَا الإسْلامَا
الدِّينُ للدَّيَّانِ جَلَّ جَلالُهُ * لَوْ شَاءَ رَبُّكَ وَحَّدَ الأقْوَامَا
يا قومُ، بانَ الرُّشدُ فاقْصُوا ما جرى * وخُذوا الحقيقةَ، وانبذوا الأَوهَامَا
هذي ربوعكمُ، وتلك ربوعنا * مُتقابلين نعالج الأَياما
هذي قبوركمُ، وتلك قبورنا * مُتجاورينَ جَماجماً وعِظاما
فبحُرمة ِ المَوْتَى، وواجبِ حقِّهم * عيشوا كما يقضي الجوارُ كراما
[email protected]

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق