مقالات كبار الكتاب

ما السعادةُ يا أستاذ؟

بقلم  فاطمة ناعوت

  هل تركنا ومضى إلى حيث يمضى الماضون ولا يعودون؟ وكيف سمحنا له أن يمضى، فى مثل هذه الأيام الخريفية الحزينة قبل اثنين وأربعين عامًا؟!

  لماذا لم نمسك بطرف ثوبه حتى نمنعه من الطيران إلى السماء، رغم يقيننا بأن مثله لن يُعوَّض، وأن الأرض لا تمنح مثله إلا كل مائة عام؟! حين ألتقيه المرةَ القادمة، سأطلبُ إليه أن أرافقَه مشوارَ حياته، لا أتركه لحظةً. أقرأ له، أرتِّبُ مكتبَه وكتبَه ومكتبتَه. أجلو الغبارَ عن الكرسى الذى يجلس عليه. برُقعةٍ من جلد غزال، أصقلُ نظارته السوداء التى تُخبئ وراءها عينين نجلاوين، أبصرتا أكثرَ مما أبصرت عيونُ البشر مجتمعين، وأعمق.

  أطرحُ عليه كلَّ ما يدور برأسى من أسئلة لا إجابةَ لها. وأُنصِتُ إن هَمَّ بالإجابة. كلَّ يومٍ سؤالًا، لكيلا تنفدَ أسئلتى قبلما أشبعُ من حضوره. لكن، هل تنفدُ الأسئلةُ فى حضورٍ غَنٍّى؟! كلاّ! تطرحُ الإجاباتُ أسئلةً وتتوالدُ الأسئلةُ حتى ينفدَ عمرى قبل أن تنفدَ ألغازٌ تسكننى، ولا أشبعُ من حضور يحتاج ألفَ عين لتُحيطَ به.

  حين يُطرِقُ برأسه ليغرقَ فى تأملاته، أصمتُ. فالصمتُ فى حَرَم الجمال جمالٌ. وهذا الرجل الوسيم قطعةٌ بشرية من الجمال خلقه اللهُ ليكون قبسَ نورٍ للشعراء والأدباء والحائرين. أتأملُ الجلالَ المهيب. أتلصَّصُ على لحظة هاربة من الزمن، وأخترق هذا الرأس عساى أعرفُ كيف تعتملُ الفكرةُ فى المخّ الاستثنائى. وحين يشْخَصُ ببصره لأعلى وينظر نحو لا شىء، أعرفُ أن الفكرةَ اكتملت، وأن مقالاً جديدًا أو دراسةً توشكُ أن ترى النور. وأن القرّاءَ الجوعى على موعد مع رؤية جديدة، لم تدوّنها ذاكرةُ الإنسانية، سوف تفتح دروبًا تُفضى إلى عالمٍ لم يرَوه من قبل.

  يحكى لى عن الكروان الذى حوِّم حول قبر “هنادى”، الصبية التعسة التى غدرَها الأهلُ والجهلُ. يصدح بصوت حزين: “المُلكُ لك لك لك، يا صاحب المُلك”، ليُنبى الدنيا كيف تُعذِّبُ البناتِ قساوةُ الرجل، العاشق، والعائلُ.

  ويخبرنى عن “نفيسة”. وكيف تُطيحُ صورتُنا بجوهرنا، ينظرُ الناسُ إلى وجوهنا؛ فإن كانت مليحةً أحبونا وطرحوا الفردوسَ تحت أقدامنا، وإن كانت دميمةً لقّبونا بـ “شجرة البؤس”. وينسون فى غُمرة هذا أن يتأملوا قلوبنا التى تحملُ الجنّةَ، بقدر ما تحملُ من جحيم.
أسأله: “ما العبادةُ؟” فيقول: “كلُّ عملٍ صالح عبادة.” “وما العلم؟” “العلمُ يكلِّف طُلابَه أهوالاً ثِقالا.” “وما الإيمان؟” فيقول: “محبةُ المعرفة لا تفترقُ عن الايمان.” “وما السعادةُ؟” فيقول الأستاذ: “السعادةُ هى ذلك الإحساسُ الذى يراودنا حين تشغلنا ظروفُ الحياة عن أن نكون أشقياء.”

أسألُه مُطرقةً: “وما الحبُّ؟” فيشخُصُ إلى أعلى قائلا: “الحبُّ لا يسأم ولا يملُّ ولا يعرف الفتور، عليك أن تُلحَّ فى حبك حتى تظفرَ بمن تحبُّ أو تفنى دونه.” “ومتى يحينُ الرحيلُ يا أستاذى؟” فيقول: “تتنازل عن متعَك الواحدة تلوَ الأخرى حتى لا يبقى منها شىء. عندئذ تعلمُ أن وقتَ الرحيل قد حان.” “وهل ترحلُ وأنت راضٍ عن نفسك يا حبيبى؟” فيهمس: “إياكَ والرضى عن نفسك؛ فإنه يدفعُك إلى الخمول، وإياك والعجب، فإنه يورّطك فى الحمق، وإياك والغرور فإنه يظهرُ للناس نقائصَك ولا يخفيها إلا عليك.”

  أُحبُّ هذا الرجل الذى منحته فرنسا وسامًا رفيعًا. وحين وقع العدوانُ الثلاثى على مصر، ردّ الوسامَ بكبرياء رافضًا تكريمَ دولة تعتدى على وطنه.

 سيرحلُ هذا العظيم فى أكتوبر 1973، وهو لا يعلم أن طفلةً صغيرة أحبّته، وتركت الحقل الهندسى بعدما درسته، وعملت به سنوات، لتدخل حقل الأدب، فتقترب من مُقامه الرفيع. “طه حسين”، سلامٌ عليك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق