حوارات الفيس بوك

ومن الحب ما قتل

بوابة اليوم الأول

  الغيرة شعور إنسانى غير مفهوم، أحيانًا يفسَّر على أنه حب كبير وأحيانًا أنانية وأحيانًا نخلط بينه وبين الشك حتى تشعر أنهما وجهان لعملة واحدة. هناك من يقول إن الغيرة رجولة ونخوة، وآخرون يقولون قلة ثقة بالنفس… لكن مَن منا كبشر لا يغار؟ فأول جريمة قتل فى البشرية قتل أخ أخاه بسبب الغيرة. فأى شعور إنسانى لو زاد على الحد حتى لو كان حبًّا، يجلب لصاحبه المتاعب، وليس له وحده ولكن لكل مَن حوله وأولهم مَن أحبه.

  سأقص عليكم قصة أمى رحمها الله التى فارقت الحياة وسنّها 51 سنة. فقد أحب أبى المليونير جميلة جميلات عائلة كبيرة سنها 19 سنة، وتقدم ليتزوجها ولم يُعطِها فرصة إكمال تعليمها… وعاشت معه كملكة متوَّجة تعيش فى فيلا كبيرة، وأنجبتنى أنا وأختى، يخدمنا خدم وحشم. لا تستطيع أن تحصر كمية الألماس والذهب الذى كان يشتريه أبى لها، فلوس فى البنوك لا أبالغ ملايين باسم أمى، وعندما تسأله لماذا يقول لها: “علشان لو جرى ليا حاجة ماتمدّيش إيدك لحد”.

  فيلا فى مارينا وفيلا فى مراقيا، ولكن كانت فيهما بمفردها، لا أصدقاء ولا أهل… كل طلباتها مُجابة بلا أدنى تفكير من أبى، فقد كان يحبها حب جنون، وليس لدى أبى أى طلب إلا أن لا تذهب أمى خارج المنزل من دونه مطلقًا لأى سبب من الأسباب، فقد كان يأخذنى أنا وأختى إلى المدرسة وكل المشاوير، هو فقط لا أمى. ليس لها أى أصدقاء باستثناء اثنتين هما زوجتا صديقَى بابا. وعندما أصبح هناك موبايلات اشترى لنا جميعًا موبايلات باستثناء أمى، وقال لها: “أنا حاكلمك على تليفون البيت، انتى محتاجة الموبايل فى إيه؟”. وكانت أمى راضية كل الرضا بحياتها، لم تشتكِ يومًا، حتى فى زيارتها لأختها الوحيدة كان لا بد أن يكون معها.

  وفى يوم دعا بابا صديقَيه وزوجتيهما إلى الغداء، وشكر أحدهما فى طعام أمى وشكرته أمى وضحكت معه أمام أبى، فما كان من أبى إلا أنه اتهم أمى فيه وأخذ يستجوبها إذا كانت تكلمه ومتى بدأت. قاطع صديقَ عمره ومنعه من دخول البيت، وكان هذا جارحًا لأمى لأنه يؤكّد تهمة لم ترتكبها… لأول مرة تنتفض أمى وتدافع عن نفسها وبشراسة، لأول مرة تترك بيتها وتذهب إلى خالتى تستنجد بها. والطريف أن خالتى منعتها من البيات عندها حتى لا يتهمها فى زوج خالتي “بالمرّة”. سنة كاملة تحاول وتحاول وهو لا يتراجع عن تفكيره المريض، والظلم قهر وبخاصة لامرأة أحبت وأخلصت وأطاعت. قُهرت أمى قهرًا كبيرًا فمرضت مرضًا خبيثًا، وهى التى لم تعانِ حتى من ضغط الدم، واشتد عليها المرض وانتشر من مكان إلى مكان لمدة 6 سنوات، وماتت بإحساس القهر قبل المرض. بابا ما زال موجودًا ولم يتزوج بعد أمى لأنه كان يحبها حب جنون، ومن الحب ما قتل وما قهر وما أذل!

  وتشاء الظروف أن زوجى اكتشفتُ أنه يغار بشدة بعد شهر العسل، خطوبتنا كانت قصيرة، فأشياء كثيرة لم أعرفها قبل الزواج. وأنا كمان باغير، بس بحدود، ولأسباب تكون واضحة جدًّا ومقنعة، وأحس بسعادة عندما أشعر بغيرته وحبه، ولكن مش كده، وإن تحدثت وقلت كده كتيررر يقول: “إنتى عايزة تبقى على حل شعرك وعايزة واحد بارد”. فمثلًا كنا معزومين على الغداء فذهبت للكوافير وعدت، وما إن رأى شكلى حتى قال: “لا، مش رايحين”. فى البداية غضبت، ولكن عندما نظرت إلى عينه فهمت أنه يرانى فى هذا الوقت أجمل من أن يرانى أحد غيره.

  إن لم أردّ على الموبايل أجد نفسى فى وضع اتهام وبلا مبرر، من الممكن أن أنام أو أصلى أو لا أسمعه، ولكن هو لا يرى إلا أنا مع مين! أريد أن أتزين كباقى النساء من أجله ومن أجل نفسى، ولكنه يرفض ويجعلنى أغسل وجهى، وأحيانًا آكل كثيرًا حتى يزداد وزنى ويقبح منظرى حتى يرضى. كل مرة قبل أن نخرج أسأله: “كده كويس؟”، يردّ: “إنتى أُوفَر قوى قوى”، وأنا لا أرضى أن أكون “أُوفَر” من أجل نفسى ومن أجل أولادى… وآه لو تكلمت عن عملى أمام الأصدقاء وذكرتُ شيئًا نسيت أن أحكيه له، يكون تفسيره أنه أكيد هناك أشياء كثيرة لا يعرفها هو. فأنتم أيها الرجال ترون المرأة لغزًا كبيرًا، ولكن ألستم أيضًا لغزًا محيرًا؟ قصتك أنك ترى خارج بيتك أمورًا لا تقبلها إلا خارجه، تجعلك تشكّ فى مَن داخل بيتك متناسيًا أنها لها قلب وعقل وحياة مختلفة عمّن شكّلوا تاريخ شكِّك وظنونك.

   لا أريد أن أعيش حياة أمى، ولا أن أموت مقهورة مثلها، وضع فى عين الاعتبار أن اتهامك الدائم لإنسان برىء يجعله يُخطئ، فهو مُدان فى جميع الأحوال. أقف أمام نفسى وأسالها، أجد نفسى ما زلت أحبك ولكن قيدك أدمى معصمى.

  أحلم أنى فى حديقة كبيرة جدًّا، كلها ورود وأشجار وأنا أجرى فيها بكل حرية وقوة وسعادة، ووجدت رجلًا فى آخِر الحديقة يعطينى ظهره، ناديته: “مَن أنت؟”، فالتفت إلَىّ وجدتُه أنت… لم أجد غيرك ولم أحلم بغيرك، أرجوك، لا تجعلنى أتركك، ولو فى أحلامى!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق