مقالات كبار الكتاب

حنجورية سد النهضة

 بقلم: رفعت فياض

 بعيد عن حالة التسخين من البعض ، والتهويل من البعض الآخر من أن مصر مقدمة على الموت عطشا ، وبعيدا عن الحنجوريين الذين يريدون لمصر أن تدخل فى حرب مع أثيوبيا بعد أن أقدمت على البدء فى بناء سد النهضة على نهر النيل الأزرق الذى ينبع من عندهم ويطالب هؤلاء مصر بأن تلجأ إلى الخيار العسكرى لضرب هذا السد إذا لم توقف أثيوبيا بناءه خوفا على حصة مصر من المياه ـ أقول بعقل وقلب مفتوح الحقائق الآتية لكل من يريد أن يعقل :
  ـ نعم لاأحد ينكر أهمية نهر النيل بالنسبة لنا فى مصر فهو شريان الحياة ، ومعظمنا يعلم أن نهر النيل تأتى مياهه من مصدرين ـ الأول من بحيرة فيكتوريا فى أواسط إفريقيا بنسبة 15% فقط من إحتياجاتنا أما ال85% الأخرى فتأتى لنا من مصدره الثانى وهى إثيوبيا من خلال الأمطار التى تتجمع فوق مرتفاتها فى بحيرة تانا ، وتعتمد مصر فى حياتها على مياه نهر النيل بنسبة 95% فى حين أن بقية دول المنبع ليست فى حاجة لمياه نهر النيل إلا بنسبة بسيطة جدا لأنها مناطق مطيرة.
  ـ نعم هنا إتفاقية تم توقيعها عام 1929 وكانت كل هذه الدول بما فيها مصر تحت الإحتلال وتهدف هذه الإتفاقية ألا تقيم أى دولة من دول المنبع أية مشروعات تؤثر على حصه مصر والسودان من مياه النيل ، إلا أن كل دول المنبع أصبحت ترفض الآن إستمرار قبول هذه الإتفاقية لأنهم يرون أنها إتفاقية إزعان تمت تحت الإحتلال وأنها أتاحت إلى مصر أن تتحكم فى ألا تقيم أى دولة إفريقية حى محطة مياه شرب لمواطنيها إلإ بإذن منها ، ونحن للأسف تجاهلنا هذه الدول بشكل كبير طوال الفترة الماضية ثم بدأنا نتعامل معهم بلغة التعالى مرة وبالتهديد والوعيد مرة أخرى عند الحديث عن مياه النيل مما خلق عندهم غصة فى عدم قدرتهم الإستفادة من مياهه التى تنبع من أراضيهم ويذهب معظمها لمصر والسودان فقط ، وزاد من هذا الشعور لديهم عندما وقعت مصر والسودان منفردتين عام 1959 إتفاقية لتوزيع مياه النيل بينهما بواقع 55،5 مليار متر مكعب لمصر و18،5 مليار متر مكعب للسودان وذلك قبل بناء السد العالى ، وهو مادفع دول حوض النيل فى إعداد إتفاق آخر جديد أطلق عليه ” إتفاق عنتيبى ” وترفض مصر والسودان التوقيع عليه حتى الآن لأنه لايحدد حصصا مسبقة لأى دولة وهو مايهدد الحصة التى تحصل عليها مصر ، وفى ظل هذا الجو قررت أثيوبيا منفردة أن تستفيد من مياه النيل الأزرق الذى ينبع من أراضيها فى توليدالكهرباء لإستخدامها فى التنمية بها وتصدير الفائض منها للدول المجاورة بما فيها مصر وقررت أن تقيم عليه سد النهضة ، وقد تستتبعه بإقامة سدود أخرى لتحقيق نفس الهدف ، وقررت منذ عدة أيام تحويل مجرى نهر النيل بعيدا عن مكان إقامة السد ـ وهو إجراء طبيعى لن ينقص من حصة مصر مترا مياه واحد ، ولن تستخدم أثيوبيا مياه النيل المحتجزة بعد ذلك أمام هذا السد فى الزراعة لأن مسار النيل الأزرق بكامله هو أراضى صخرية ومنحرة ويستحيل فيها الزراعة أو إستصلاح أراضى ، لكن بلا شك ستحتاج عند بدء تشغيل السد إلى ملء االخزان على مدى عدة سنوات وستقتطع مؤقتا جزءا من المياه التى كانت تِأتى إلينا بلا حاجز ، لكن عند إمتلاء بحيرة السد لن يكون هناك نقصان لأنه سيتم صرف هذه المياه مرة أخرى فى النهر لتوليدالكهرباء وإتاحة الفرصة لمياه الموسم القادم للدخول ، وسينتج عن هذا لأول مرة فى تاريخ نهر النيل الأزرق أن يستمر جريانه طوال العام بدلا من شهرين فقط كل عام كما يحدث الآن بعد تنظيم صرف مياهه من بحيرة هذا السد وتوقف قدوم الفيضان ، ونحن فى مصر يمكننا أن نتحمل بصدر رحب هذا النقصان المؤقت خاصة وأن لدينا مخزونا من المياه فى بحيرة السد يزيد عن حاجتنا السنوية ، وأن نبدأ فى مساندة إثيوبيا فى تنمية الإستفادة من مواردها المائية فى توليد الطاقة ، وبما لايضر بنصيب مصر من هذه المياه ، وأن نتوقف عن روح العداء والتهديد والوعيد ونبحث مع كل دول منابع النيل كيفية تعظيم الإستفادة من هذا النهر ومياهه ونجعله وسيلة للتكامل وليس للتناحر والعداء لأن المجتمع الدولى يؤيد ماتقوم به أثيوبيا ، والشعب كله فى أثيوبيا يقف وراء تنفيذ مشروعه القومى ولابد أن نشعر جميع الدول الإفريقية أن مصلحتهم تهمنا أيضا مثل إهتمامنا بمصالحنا ـ ولو سادت هذه الروح أعتقد أنه لن تكون هناك مشكلة مع أى من هذه الدول .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق