باقلاممقالات كبار الكتاب

مصرُ العظيمةُ.. رمضانُ الكريم

بقلم  فاطمة ناعوت

دولُ العالم الكبرى تئنُّ تحت مطرقة كورونا الجائحة الجامحة، ومصرُ الطيبة تحاربُ الفيروس، وتحمى أبناءها، وتنهض تنمويًّا وعمرانيًّا بيدٍ، وتساعدُ دولَ العالم الأكثر تضررًا من الجائحة باليد الأخرى. تلك معجزةُ مصرَ الخاصة.

وهذا رمضان. شهرُ الفرادة والاستثناء والمحبة والبركة والكرم. لهذا ستكون أولى دعواتى لله عزَّ وجل فى هذا الشهر: «اللهم رُدَّ أبناءَ مصرَ العالقين فى كل أرجاء الأرض، ردًّا كريمًا إلى وطنهم العظيم، ليحتموا فى حضن أمِّهم مصرَ من غول كورونا الأعمى. اللهم استجبْ، اللهم آمين».

كنتُ دائمًا أتباهى أمام أصدقائى من الأدباء والأديبات العربيات بأن شهرَ رمضانَ فى مصر لا شبيه له فى سائر بلدان العالم. وأن مَن لم يحضر شطرًا من شهر رمضان فى مصر، فقد فاته الشىءُ الكثير. شهرٌ لا يشبه أىَّ شهر آخر يمرُّ على مصر، ولا يشبهه أىُّ رمضانَ آخرَ يجوبُ العالم. فهذا الشهرُ الكريم يخرج عن كونه شهرًا دينيًّا، ليتحوَّل إلى سيمفونية احتفال بالحياة. يتبارى فيه الأطفالُ والشيوخُ، وما بينهما من أعمار، ليجعلوا منه كونشرتو شعبيًّا يعزف الأوركسترا فيه سونتات فرح وولائم وزينات وأنوار وألوان وتزاور وصِلات رَحم وسهرات لا يعرفها إلا رمضان. لا تكادُ تعرف فيه المسلمَ عن غير المسلم. لأن المصريين على كافة عقائدهم وألوانهم وطبقاتهم المادية والاجتماعية والتعليمية يتسابقون فى رسم الفرح على الوجوه وعلى جدران الأبنية وسماوات الشوارع والأزقة والميادين. يتفق المسلمون وغيرُ المسلمين على أن لرمضانَ فى مصرَ طعمًا مميزًا، ونكهةً لا مثيلَ لها. ما السبب؟ إنه سرًّ المصريين الخاص منذ آلاف السنين، قبل نزول الرسالات. تعويذةٌ تصبغُ الأشياءَ بلون مصرَ، وتسبغُ على الأيام طعمَ النيل. إنها فرادةُ المصريين فى صناعة الفرح، وامتلاكهم مَلَكةَ «الاحتفال». هذا العام يزورونا الشهرُ الكريم ونحن فى بيوتنا. وهذا حماية لنا وللوطن العزيز. لكننا سنهزم المحنةَ من بيوتنا، ونصنعُ الفرح فى بيوتنا. ونستعدُّ للحياة بعد زوال الغمَّة بإذن الله.

المناسباتُ الدينية لدينا هى مناسبةٌ للحياة. فتلتقى السماءُ والأرضُ فى قطعة موسيقية بديعة، ليست تشبه المقطوعاتِ السماويةَ الخالصة، ولا المعزوفات الأرضية الخالصة. مزيجٌ فريد. فقط فى مصرَ، يأتيك من السماء صوتُ سيد النقشبندى عند الفجر يشدو: «قُلْ اِدعُ اللهَ، أو اِدعُ الرحمنَ، أيًّا ما تدعوا فله الأسماءُ الحُسنى»، ثم يأتيك عند المغرب شجوُ محمد رفعت مؤذّنًا؛ فلا تُخطئُ صوتَه بين ألف صوت عداه. وهذا العام أُضيفت للأذان عبارةٌ توعوية مهمة: (ألا صلّوا فى بيوتكم).

فى السنوات الخوالى، كنتَ تخرج فى رمضان فتجد الشوارعَ غارقةً فى اللون والضوء والصَّخب. فكأنك فى عيد قوامُه ثلاثون ليلةً متّصلات، ليغدو أطولَ عيد فى التاريخ. الناسُ ساهرون لا يعرفون النومَ فى ليالى رمضان. يتجاوزون الفجرَ، وينتظرون حتى ينسلَّ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسود. هو الشهرُ الذى لن تميّز فيه المسلمَ من المسيحىّ. فالكلُّ يحتفل؛ كأنه شهرٌ مصرىّ، وليس دينيًّا وحسب. المسيحىُّ يصوم مع المسلم؛ لأنه يؤمن بأنه لا يليق أن يشبعَ وأخوه جائع. وإن باغته أذانُ المغرب وهو فى الطريق، سيجد الصِّبيةَ والصبايا يستوقفونه على رؤوس الشوارع وتقاطعات الميادين مبتسمين يلوّحون له بالخير. يفتح نافذة سيارته ويتناول كأسَ العصير وحبّاتِ التمر لكى «يكسر صيامه». فإن قال لهم العابرُ: «شكرًا، بس أنا مسيحى!»، قد يُفاجأ بأجمل ردٍّ: «وإحنا كمان مسيحيين، كل سنة وإنت طيب!». يحدث فقط فى مصر؛ أن يقفَ شبابٌ مسيحيّون ليسقوا ظِماء الصائمين المسلمين، زارهم المغربُ وهم خارج بيوتهم.

ونحن صغار، كنا نجمع قروشنا ونركض إلى المكتبة لنشترى الورقَ الملوّن والصمغ ومقصّات الورق البلاستيكية، بعدما نكون قد جمعنا عصوات الخشب طوال العام وخبأناها تحت آسرّتنا، ثم نسهر مع أطفال الحىّ لنصنع زينة رمضان والفانوس الكبير الذى سيُعلّق فى منتصف شارعنا. يتبارى أطفالُ كل شارع ليكون فانوسُهم أكبرَ، وزينتُهم أكثرَ أناقة وأكثفَ لونًا. لم ننتبه إلا حين كبرنا، إلى أن نصفَ أطفال شارعنا من صانعى زينة رمضان كانوا مسيحيين. رمضانُ شهرُ الجميع، وبهجةُ الجميع، وصلاةُ الجميع لإله واحد، ربّ الكون الشاسع؛ نعبده جميعًا، كلٌّ عبر رؤيته. ونحبُّه اللهَ جميعًا، كما أحبَّنا اللهُ وخلقنا وجعلنا شعوبًا وقبائلَ لنتعارفَ ونتحابّ ونتآخى.

يأتى رمضانُ كلَّ عامٍ ليؤكد أن دمَ المصريين واحدٌ، وعِرقنا العريقَ واحد، ونسيجَنا الصافى واحد، لا يعبثُ به العابثون. كل سنة وأنتم طيبون. كلُّ سنة ومصرُ العظيمةُ عظيمةٌ.

«الدينُ لله.. والوطنُ لمن يحبُّ الوطن».

twitter:@fatimaNaoot

بواسطة  فاطمة ناعوت نششر في المصري اليوم

الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: