باقلاممقالات كبار الكتاب

لمتن المقدس والمتون البشرية (٢)

مقال بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت
أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة

(الإمام الشافعي تلميذ مالك، ومالك نفسه اخذ بشكل مباشر وغير مباشر عن الإمام أبي حنيفة على الرغم من اختلاف المنهج بينهما، والإمام أحمد بن حنبل تلميذ للشافعي. لكن أي فقيه منهم لم يتجمد على مذهب أستاذه، ولم يقم بتنقيحه، بل جاء بمذهب مختلف، والإمام أحمد نفسه لا يوجد له رأي واحد في كل المسائل، بل في كثير من المسائل تجد له رأيين؛ ويجمع له البعضُ في المسألة ثلاثة آراء).

“الذين يكتفون بعملية التنقيح وحدها ولا يطورون ذلك إلى خطوات تفاعلية حقيقية للدخول إلى عصر جديد، سوف يظلون في نطاق المعارك القديمة التي تنتصر لفرقة ضد فرق أخرى، ويقعون تحت طائلة قول الله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام: 159). ومن الخطأ الواضح تقييد هذه الآية الكريمة وتفسيرها بالاقتصار على أهل دين بعينه؛ لأن اللفظ عام، والعبارة كلية تشمل كل من يفعل ذلك، كما قلنا في أكثر من موضع قبل ذلك. والمطلوب هو تجاوز المعارك القديمة المفرّقة إلى المعارك الجديدة، معارك البناء والتنمية والتقدم، معارك تحقيق العدالة الدولية والعدالة الاجتماعية، معارك القضاء على الفقر والمرض والجهل.

نحن نريد (تجاوز) معارك الهوامش إلى معارك التقدم، نريد أن يصنع الجميع مركبا جديدا يمكن معه صنع تراث جديد لا يتنكر للعناصر الحية في التراث القديم، لكنه يجعلها تتفاعل مع العناصر الجديدة للخروج بمركب جديد، مثلما يحدث في تطور الكائن الحي. أما الدفاع المطلق عن المتون البشرية القديمة بغثها وثمينها، فصاحبه يريد للكائن الحي أن يظل جامدا عند مرحلة واحدة في طور النمو، وهنا يكون قد تسبب في موته بينما يظن أنه يدافع عنه!

وهذا ينقلنا إلى معان آخرى لمفهوم (تجاوز المتون البشرية القديمة)، ومن هذه المعاني تجاوز لتلك المتون للعودة إلى المنابع الصافية للوحي الخالص، ومن هذه المعاني ايضا تجاوز التراث للوصول إلى مركب جديد نتيجة عملية تفاعل تام وتطور طبيعي للعناصر القديمة القادرة على الحياة. وأي تجاوز يتضمن عملية (مجاوزة) أي مرور بالشيء وليس بالقفز عليه. والمرور معناه أنك سوف تمر به لكنك لن تقف عنده متجمدا! بل تنتقل إلى ما بعده.

إن المطلوب هو استخلاص العناصر الإيجابية البناءة القابلة للحياة المتجددة، وإدخالها في عملية تفاعل جديدة مع العناصر المستجدة ومتغيرات العصر ومكتسبات العلوم الحديثة ومتطلبات الواقع والمصالح المرسلة، ثم نخرج من عملية التفاعل التام بمركب جديد.

وإذا كنا ندعو إلى تجاوز المتون البشرية القديمة، فهذا التجاوز ليس نفيًا مطلقًا، بل هو ارتقاء بهذا الوجود إلى مستوى أعلى. لكن للأسف بعض مَن يدعون العلم لا يعرفون المعاني اللغوية الفصيحة لكلمة (تجاوز)، والغريب أنهم يفهمونها بالمعنى العامي! والأغرب أنهم لم يلتفتوا إلى استشهادنا بأقوال الأعلام والعلمات من العلماء الحقيقيين في الماضي التي تتعلق بالمنهج العلمي، ومن أهمها: قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق، وإنما يتكلم به الرجال”.

وسبق التأكيد في كتاب (نحو تأسيس عصر ديني جديد) أن من أكبر النماذج الفقهية التي كافحت الجمود ورفضت التعصب والمواقف المنغلقة، الإمام الشافعي الذي اختلف مذهبه الفقهي في مصر عن مذهبه القديم في العراق ومذهبه الأقدم في مكة. ومن بين أسباب هذا الاختلاف مراعاة ظروف الزمان والمكان، وأتصور قياسا على ذلك أن الإمام الشافعي نفسه الذي يحتضنه تراب مصر وقلبها لو عاد إلى عصرنا لأصبح له فقه جديد يلائم الزمان الجديد ومتغيراته المعقدة. ومن المعلوم أنه تلقى العلم على يد الإمام مالك، فالشافعي تلميذ مالك، ومالك نفسه لاحق للإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد بن حنبل تلميذ للشافعي. لكن أي فقيه منهم لم يتجمد على مذهب أستاذه، ولم يقم بتنقيحه، بل جاء بمذهب مختلف، والإمام أحمد نفسه لا يوجد له رأي واحد في كل المسائل، بل في كثير من المسائل تجد له رأيين؛ ويجمع له البعضُ في المسألة ثلاثة آراء؛ مما يدل على وجود تنوع وتطور في الفقه الحنبلي ذاته. ومن هنا فإن أئمة الفقه ضد التقليد والتعصب والجمود الذي أصر عليه بعض أتباعهم؛ لأنه ضد روح الإسلام ومقاصده التي تستهدف تحقيق المصالح الإنسانية وتراعي ظروف العصر ومتغيراته، ومن هنا أيضا استقر المجتهدون من عصور الإسلام الذهبية على بطلان الجمود والتجمد، وعلى عدم ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. قال الحصفكي، وهو من أشهر المؤلفين الأحناف في الفقه الحنفي :” إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا قلنا وجوبا: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب”(محمد بن إسماعيل الصنعاني، إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد). ويروى القول نفسه عن الإمام الشافعي وغيره.

والكتب التي تم تأليفها لرد التقليد والتعصب كثيرة، مثل “أعلام الموقعين عن رب العالمين” لابن القيم؛ ومثل “أدب الطلب ومنتهى الأرب” للشوكاني بدراستي وتحقيقي الذي نشرته مكتبة ابن سينا، عام 1988، ومثل كتاب “القول المفيد في الاجتهاد والتقليد” أيضا للشوكاني بدراستي وتحقيقي ونشرته مكتبة ابن سينا أيضا، عام 1987. وكلها تدل على ازدراء التعصب والجمود والتقليد الأعمى.

وليس وضع المتون البشرية تحت الفحص النقدي خروجا من الهوية. إن الحفاظ على الهوية لا يعني بالضرورة أن تظل جامدا على حالك في التاريخ متجمدا متحنطا، مثلما يغالط أهل الحرف ودعاة استنساخ الماضي كما هو حرفيا. إن الارتقاء في الكائن الحي من مرحلة إلى مرحلة ليس طمسا لهوية الإنسان، وليس إلغاء لمرحلة سابقة، بل إنه نمو وارتقاء إلى مرحلة أعلى. وكل مرحلة تتجاوز السابقة وتتضمنها بالضرورة، لكن لا تستنسخها كما هي. ولا يصح القول ببقاء الإنسان عند مرحلة واحدة في نموه مهما كانت رائعة، بل يجب أن يرتقي إلى مرحلة أعلى، أو هكذا يجب أن يكون!

ومن هنا فإننا ندعو إلى تأسيس خطاب ديني جديد، وليس تجديد الخطاب الديني القديم، وندعو إلى تطوير علوم الدين وليس إحياءها. إن عدم فهم منطق التاريخ، وغياب فلسفة عربية جديدة للحضارة، وعدم الاعتبار بقوانين الله في التقدم، لها الدور الأبرز في تخلفنا في كل شيء، وهي من الأسباب الفلسفية لجمود العلوم القديمة وتوقف نموها وتطورها بعد رحيل الأجيال الذهبية. فقد توقف هذا النمو عندنا بسبب دعاة الجمود لكنه لم يتوقف عند الأمم المتقدمة؛ لأن التطوير عند البعض ممن لهم الغلبة على الساحة، معناه تأليف الشروح والمتون والحواشي! والتجديد عندهم يعني التنقيح والتنقية فحسب! والنهضة معناها إحياء القديم فقط دون تمييز! أما المناهضون لهم فأفضل منهج عندهم لملاحقة الأمم الأخرى المتقدمة هو التقليد الحرفي الشكلي أيضا والترجمة عنها فقط! وهكذا أصبحنا بين نقيضين لا يلتقيان، وهكذا استمرت معارك التفرق والنزاع، لكن الأمل يطل من بعيد في تجاوز النقائض والدخول في عصر جديد ترجع فيه الأمة إلى مربع التقدم والعلم والحضارة والتوحيد الخالص”.

مقال بقلم الدكتور . محمد عثمان الخشت – أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة – نشر بجريدة الأهرام
#يارب
#القرآن_السنة_الصحيحة
#خطاب_ديني_جديد
#جامعة_القاهرة

الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *