باقلاممقالات كبار الكتاب

تغيير رؤية العالم عند المسلمين

(أنا أحب السيدة أم هاشم رضي الله عنها، وأقدرها فوق ما يظن البعض، لكن لا أتوسل بها ولا أدعو الله ولا أصلي له سبحانه عند قبرها؛ فهو وحده النافع الضار وهو وحده مقصد السماوات والأرض).
التفصيلات في مقالي عن ” تغيير رؤية العالم عند المسلمين” والذى نشر نتيجة خطأ مطبعى بعنوان :” تغيير رؤية العالم عن المسلمين”.

مقال بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت
أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة

“إذا كنت تعتقد في الخرافات والأعمال السفلية والعلوية، فإن هذا يكوّن رؤيتك للعالم بوصفه عالما تحكمه الأشباح والعفاريت والسحرة، وليس قوانين الطبيعة التي سنها الله تعالى والتي لا تتبدل. وبالتالي سوف تؤثر هذه الرؤية على سلوكك، فلن تحاول اكتشاف قوانين الكون، وبالتالي لن تتقدم في العلوم. وسوف تترك الأخذ بالأسباب الطبيعية وتعمل على تحقيق أمنياتك بمجرد نطق بعض الكلمات أو التعاويذ أو تلجأ إلى السحرة وصانعي “الأعمال السحرية” لجلب الحبيب مثلا أو لشفاء المريض أو للترقية في المنصب أو للنجاح في الامتحانات أو للحصول على كنز يغنيك! بينما الرؤية العلمية تقوم على أن الكون محكوم بقوانين محكمة لا تتخلف، وأن التغيير فيه يكون بالأخذ بالأسباب الطبيعية (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. فَأَتْبَعَ سَبَبًا) (الكهف: 84، 85).

وإذا لم تكن على التوحيد الخالص المبين لله تعالى وحده، وتعتقد في تأثير الأولياء في العالم، فإنك سوف تدعوهم أو توسطهم عند الله تعالى لتحقيق أمنياتك، أو سوف تأخذ بعض الزيت من قنديل أم هاشم (رضي الله عنها) لتشفي مرضك، ولن تأخذ بالعلم ولا بالأسباب ولا بقوانين الطبيعة في الشفاء! وبالمناسبة أنا أحبها وأقدرها فوق ما يظن البعض، لكن لا أتوسل بها ولا أدعو الله ولا أصلي له سبحانه عند قبرها؛ فهو وحده النافع الضار وهو وحده مقصد السماوات والأرض.

وإذا كانت تسيطر عليك الرؤية الأحادية للعالم السياسي والاجتماعي والعقائدي التي تقوم على مبدأ ( إما … أو…) ، فسوف تنظر للعالم على أنه مقسم إلى قسمين (أبيض وأسود)، (دار الحرب ودار السلام)، (إما معي أو ضدي)، (كل من يختلف معي فهو ضدي)، بينما الرؤية العلمية المؤسسة على نصوص الوحي النقي الأصيل تؤكد أن الإسلام نفسه يعترف بالتنوع البشري، ويدعو للتعايش الإنساني، ويدعو إلى قيم وأخلاق التقدم. وهذا هو “قلب عصر العلم” الذي لم يدخله المسلمون المعاصرون حتى الآن!

ولذلك أكدت في كتاب (نحو تأسيس عصر ديني جديد) على أن تجديد المسلمين يقتضي أول ما يقتضي تغيير رؤية العالم Worldview في مخيالهم؛ لأن هذه الرؤية هي الأساس النظري للفهم والتفكير، وهي التي تضع المحددات التي في ضوئها يتشكل الفعل وطرق التعامل والتفاعل مع العالم المحيط وعناصره.

ورؤية العالم في تصوري – ولا يعنيني هنا إن كنتُ متفقا أو مختلفا مع إمانويل كَنْت أو وليلهام دلتاي أو ماكس فيبر أو غيرهم- أقول إن رؤية العالم في تصوري هي الخريطة الذهنية العامة الذي نفهم بها كل ما يحيط بنا : الكون، الحياة، الناس، مستويات الوجود، الألوهية، الثقافات العالمية، بل هي الإطار الذي نفهم به أنفسنا أيضاً بوصفنا جزءا من هذا العالم؛ لأن رؤية العالم هي مجموعة من الافتراضات الأساسية Basic Assumptions في مخيالنا عن العالم، وهي أيضا الخرائط المعرفية Cognitive Maps التي توجه مسارات التفكير وتحدد صورة العالم، وتتضمن في داخلها كتلة المبادئ والمعتقدات الكلية التي يحيا بها الإنسان؛ وفي ضوئها يضع الوعي الجمعي للناس علاقاتهم مع العالم، ونجد لها انعكاسات واضحة على الحياة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية.

وعلى هذا فإن وظيفة الرؤية هي وظيفة معرفية، وهي نقطة البدء في تغيير المسلمين؛ فالمسلمون اليوم -أو أغلبهم- ببساطة يملكون رؤية عقيمة عن العالم، وهي رؤية تتقاطع مع الرؤية الكهنوتية والسحرية اللاهوتية للعالم (التي حاربها الإسلام الأول لكن المسلمين في عصور التراجع ارتدوا إليها). وهذه الرؤية الكهنوتية والسحرية لا تخرج عن مجمل رؤية العصور الوسطى الأوربية. والغرب والشمال والشرق الأقصى يتقدمون علينا لأنهم ثاروا على هذه الرؤية السحرية اللاهوتية، وكافحوا من أجل تكوين رؤية علمية للعالم. وهذه الرؤية هي الأساس النظري لكل مكتسباتهم العلمية والحضارية وتفوقهم علينا في التكنولوجيا، والعلوم الاجتماعية، والطبيعية، والفنون، والعلوم التطبيقية.

إن الرؤية الكهنوتية تعتمد في الأساس على وجود وسطاء بين الله والإنسان الفرد، والرؤية السحرية تقوم على رؤية العالم محكوما بالسحر والسحرة والجن والعفاريت والأشباح والأعمال السفلية تارة، والتدخلات الغيبية الخارقة تارة أخرى. أما قوانين الطبيعة فهي – سواء عند أصحاب الكهنوت أو أهل الرؤية السحرية- شيء طارئ وثانوي وغير ضروري، والعلوم الرياضية والطبيعية من النوافل في التعامل مع الكون، وأيضا العلوم الإنسانية والاجتماعية هي آخر شيء يمكن اللجوء إليه لحل مشاكل المجتمع أو الفرد. وكيف يمكن أن يحدث هذا والبعض لا يزال يصر على استمرار العلوم الدينية القديمة بالاعتماد فقط على النقل والحفظ والترديد؟!

إن العالم باختصار عند أغلبهم محكوم بقوى غيبية تربط وتنظم الأشياء بصورة منافية للقوانين العلمية التي تحكم الطبيعة في الرؤية العلمية. ومن هنا تكون الردة -دون وعي- إلى تصورات الأديان الوضعية السحرية التي انتبذها الإسلام.

ولنقف قليلا عند الفروق الحقيقية بين الإسلام الأول والرؤية السحرية التي تعد إحدى سمات الخطاب الديني البشري في عصور التراجع. وهذه الفروق -من وجهة نظرنا- تكمن في عدة جوانب سوف نتناولها في هذا المقال ومقالات تالية إن شاء الله تعالى. ونذكر هنا من هذه الجوانب أن السحر يعتمد على التأثير في الأشياء عن طريق كائنات شيطانية أو أرواح أو تعاويذ أو كلمات مجردة أو أعمال سفلية أو قوى غيبية يتصورون أنها كامنة في بعض الأشياء المادية. أما الإسلام الأول فينص على أن كل شيء في الكون خاضع لقانون السببية Principle of Causality، وهو المبدأ الذي يقرر أن لكل ظاهرة سببا، وأن لا شيء يحدث من لا شيء، وكل ما يظهر للوجود فلوجوده علة، وأن الأسباب تتبعها النتائج المترتبة عليها على وجه اللزوم إذا توافرت كافة العناصر والمتغيرات المصاحبة لإنتاج الظاهرة.

والسببية من مبادئ الطبيعة، وأيضا من مبادئ الفكر، وهي مبدأ قرآني راسخ، فالله سبحانه – كما يقول ابن القيم :” ربط الأسباب بمسبباتها شرعا وقدرا، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي وأمره الكوني القدري ومحل ملكه وتصرفه؛ فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات وقدح في العقول والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء؛ فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة، كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسببات. والشرع كله أسباب ومسببات، والمقادير أسباب ومسببات، والقدر جار عليها متصرف فيها؛ فالأسباب محل الشرع والقدر. والقرآن مملوء من إثبات الأسباب… ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة، ويكفي شهادة الحس والعقل والفطر؛ ولهذا قال من قال من أهل العلم: تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة…”(ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل).

ومن هنا يجب إعادة ضبط هذا العنصر الحاكم لرؤية العالم التي يجب أن ينطلق منها أي خطاب ديني جديد، باستبعاد الرؤية السحرية والرؤية الكهنوتية المنكرة للسببية من طرق تفكير المسلمين، واستعادة الرؤية العلمية التي حكمت تقدم طرق التفكير العلمي والتي أدت إلى تقدم العلوم الرياضية أولا، ومن بعدها العلوم الطبيعية، ثم العلوم الاجتماعية والإنسانية، والتي أكدها التصور القرآني للعالم بوصفه محكوما بالسببية الطبيعية وليس بقوى سحرية أو كهنوتية ميتافيزيقية خارقة”.

#يارب
#القرآنالسنةالصحيحة
#الخطابالدينيالجديد
#جامعة_القاهرة

مقال بقلم الدكتور . محمد عثمان الخشت – أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة – نشر بجريدة الأهرام

الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: