باقلاممقالات كبار الكتاب

اليوم التالي لا يجب أن يكون بعيدًا «1»

بقلم عبد اللطيف المناوي

العالم كله الآن فى عين الإعصار المسمى كورونا، ذلك الإعصار الذى ضرب العالم فأصاب الجميع بالذعر والهلع، الذى تُرجمت ردود فعله فى صورة إجراءات وقرارات، لم تضع كافة العناصر المحيطة بالأزمة فى الاعتبار.

ونتيجة لهذه الحالة وتلك القرارات، واجه العالم لأول مرة حالة تقترب من الإغلاق التام. لست فى حاجة هنا إلى وصف ملامح ما حدث ويحدث، فجميعنا نراه ونعايشه ونعانى منه.

عندما تهدأ الأمور قليلا فإن المتوقع أن تُطرح العديد من الأسئلة، لا سيما حول مدى صحة الطريقة التى «هرول» إليها العالم فى إدارة الأزمة الفريدة من نوعها. وإلى أى مدى كانت الإجراءات التى اتخذت هى الأصح، وهل كان يمكن تجنب- ولو جزءًا- مما واجهت البشرية؟.

ما أطرحه اليوم من أفكار أظن أنها بدأت تطل برأسها، ولو بصوت خافت، فى أوساط متعددة. وأنا هنا أطرحها للنقاش بعقلانية وواقعية وبأسلوب علمى للوصول إلى نتائج منطقية.

ما أقصده هنا بمفهوم «اليوم التالى» هو التحصن بالاستعداد لمواجهة مختلف الاحتمالات بردود فعل مناسبة لما بعد الأزمة. أضيف على ذلك أننى أتصور أن هذا اليوم التالى يجب أن يكون سريعا، أى أن نتصرف من الآن على أننا بدأنا بالفعل اليوم التالى.

أتصور أنه يجب الخروج من حالة الحصار الذى اندفعنا نحوها تلك، مثلنا مثل باقى دول العالم، والانغماس الكامل فى محاربة الفيروس من المنظور الطبى فقط، والإنجرار فى العديد من قراراتنا متأثرين بحالة الهلع التى أصابت العالم وبالتالى الرأى العام لدينا.

■ ■ ■

سأبدأ بمحاولة تفسير حالة الهلع التى سيطرت على كل متخذى القرار فى العالم لمواجهة الفيروس، وهنا استدعى من الذاكرة ما قاله جورج كليمِنصو (1841-1929) رئيس وزراء فرنسا عدة مرات، أهمها أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما قال إن «الحرب مسألة خطيرة، وأخطر من أن تُترك للجنرالات».

وبتطبيق هذه المقولة على الأزمة الراهنة يمكن القول إن أسلوب مواجهة الفيروس وانتشاره فى المجتمعات وتأثيراته الاقتصادية والمجتمعية كانت أخطر من أن تترك قيادة الأزمة فيها فقط للأطباء ولمنظمة الصحة العالمية، مع التقدير الشديد والامتنان للأدوار التى قاموا بها فى حفظ الأرواح والأنفس، وفى محاولة كبح جماح انتشار الفيروس، خصوصا فى عدم وجود حل طبى لما نواجهه، والاكتفاء فقط بالتنبيه على الإجراءات المتخذة.

إن إدارة هذه الأزمة مرت بالعديد من العثرات والأخطاء والمطبات التى وصلت بنا إلى الوضع الحالى، حيث إن الأطراف التى تسببت فى الوصول إلى ما نحن فيه متعددة وكثيرة. ويمكن الإشارة إلى أسلوب التعمية الذى اتبعته الصين فى البداية، إضافة إلى تراخى بعض الدول فى التعامل بأسلوب صحيح وواقعى فى المراحل الأولى من انتشار المرض.

ربما كان اتهام الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بعدم التعامل بجدية مع الأزمة من بدايتها من قبل خصومه السياسيين، جعله يفقد جزءا ملموسا من شعبيته، خصوصا أن الانتخابات قد اقتربت، وهو ما دفعه إلى التشدد فى اتخاذ إجراءات منع الطيران مع أوروبا، الأمر الذى أثار ذعرا إضافيا على كافة المستويات فى العالم، فبدأت كل الأطراف فى التوجه نحو التشدد المبالغ فيه، وبدا أن العالم يتجه نحو النهاية.

وفى هذه الأجواء، عاش البشر فى حالة ذعر وهلع مبالغ فيها، وبدأ الرأى العام فى كل أنحاء العالم يضغط على حكوماته التى خضعت لهذه الحالة فأغلقت المدارس كاملة، وأغلقت الأعمال إما تماما أو جزئيا، وهو أمر لاقى درجة عالية من الرضا لدى الرأى العام. وكان الحاكم الوحيد هنا هو تلك الأجواء التى استحضر فيها كل إنسان ما شاهده من أفلام أنتجتها هوليوود عن الأوبئة، والعداد اليومى، بل اللحظى لحالات كورونا، سواء من إصابات ووفيات ومتعافين.

قبل أن أتابع، أريد التذكرة فقط، فأنا هنا لا أقلل من خطورة الفيروس وأهمية التعامل معه بجدية، لكنى أناقش هل هذه الجدية كان مبالغا فيها؟ هل حضرت فى ذهن متخذى القرار على مختلف المستويات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لهذا التوجه؟ هل دراسة الواقع والأرقام والإحصاءات فى الدول الأكثر تضررا بالفيروس كانت عنصرا حاكما فى اتخاذ القرار؟ أم أن أجواء «الوباء المدمر» للكون هى الحاضرة؟ وإلى أى مدى كان «الضعف» السياسى أمام الرأى العام حاضرا ومؤثرا؟

■ ■ ■

الوقت ليس متأخرا لتصحيح الاتجاه، خصوصا، وكما قلت، أن هناك نغمة بدأت بشكل خافت تعزف على أوتار الخسائر الاقتصادية الكبيرة التى تضرب العالم بشكل لحظى، وأعتقد أن هناك حاجة إلى الاستماع إليها ومناقشتها.

كما أن هناك شعورا بدأ فى التنامى، مفاده أن الأرقام التى رصدتها الدول المختلفة بمستوياتها المختلفة مهما عظمت، لن تكون قادرة على تلبية الاحتياجات أو معالجة الآثار الناجمة عن حالات الغلق الجزئى أو التام للأنشطة الاقتصادية.

ولا أستثنى هنا حتى القوة الأكبر فى العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، فإن التريليونات الأكثر من ثلاثة لن تكون كافية لإصلاح الخلل. والمتفائلون من الخبراء يعتقدون أن العالم لن يعود إلى وضعه منذ أشهر إلا بعد سنوات ثلاث على الأقل لو سارت الأمور بشكل جيد. أما عن الدول الأخرى فالوضع يبدو شديد التعقيد.

الأكيد أن الأمر لن يعود أبداً كما كان، لذا لابد هنا أن نبدأ فى وضع استراتيجيات «اليوم التالى» مبكرا، بل اعتبار أنه قد بدأ بالفعل.

غدًا، ننتقل للحديث عن الحالة فى مصر، وكيف يمكن أن نتعامل مع واقعنا، وكيف نضع تصورات للاستمرار فى الحياة دون هلع ورعب، ودون تهوين أيضا.

بواسطة  عبد اللطيف المناوي نشر في المصري اليوم

الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: