باقلاممقالات كبار الكتاب

الصلاة العلمية

مقال بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت- أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة

“إن الأمراض والعدوى والشفاء لها قوانين راسخة تحكمها بقدر إلهي مطرد؛ إنها آيات إلهية لها قوانين وطريقة عمل منتظمة مثل قانون الجاذبية، ومثل قوانين تحول الصلب إلى سائل وتحول السائل إلى بخار؛ فإن الله تعالى (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق: 3)، والرسول عليه الصلاة والسلام نفسه كان يأخذ بالأسباب ويتعامل مع الأمراض بطريقة تقوم على الأخذ بطرق التداوي وطرق الحماية من العدوى. لكن الأشاعرة يخالفون منطوق الكتاب الكريم وسنة المصطفى الصحيحة ومنطق العلوم الطبيعية، ويعدون العلاقة بين الأسباب والمسببات غير لازمة، ويؤكدون أن السبب ليس بشرط أن يؤدي للنتيجة! يقول الغزالي القديم رحمه الله – وهو أشعري- ملخصا موقف الأشاعرة:” بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنًا لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمنًا لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر” انتهـى كلامه. فهذا إنكار للأسس التي يقوم عليها البحث العلمي من وجود علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة. ثم يتساءل بعضهم لماذا تخلفنا في العلوم وتقدم غيرنا؟!

وربما حان الوقت أن يفهم هؤلاء أن مَن أراد أن يعرف الله فليكتشف أعماله في الطبيعة، وأن القرآن كتاب الله المقروء والطبيعة كتاب الله المشاهد، القران كلمات الله والطبيعة أعمال الله؛ فلنفهم كلمات الله بأعمال الله. وهنا يصلي العلماء لله عندما يسعون لاكتشاف قوانين الطبيعة. من يقرأ كلمات الله يعبده تعالى، ومن يستقرئ أعمال الله في الطبيعة أو المعمل أو في النفس يعبد الله أيضا، (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ((البقرة:115).

وفي مقابل الفهم المنضبط لدور الدين ودور العلم، لا سيما في ميدان الطب والعلاج، رأينا الأيام الماضية بعض أدعياء الدين في مجتمعنا ومجتمعات قريبة وبعيدة شرقا وغربا، يعيشون أيام الجاهلية الأولى لكن بثوب ديني مزيف. إنهم يرفعون أصواتهم، ويظنون أن الطبيعة يمكن تغييرها بالكلمات فقط دون أن يتبعوا قوانين الوقاية وقوانين الشفاء التي حددها الله تعالى، نعم إن الله هو الشافي، (وإذا مرضت فهو يشفين) (الشعراء :80)، هذا إيماننا ومعتقدنا، لكنه سبحانه قد جعل لكل شيء سببا، وجعل له قانونا مطردا، وقد أراد أن يشفينا بالأسباب. ومسألة شفاء أيوب عليه السلام، قد فهمها البعض خطأ، (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) (سورة ص: 41– 42)، فالشفاء من نوعية المرض التي أصابته جاء بعد وحي الله تعالى إليه بسبب الشفاء بالاغتسال في نوع معين من المياه النابعة من الأرض، ومن الشرب منها.

أتصور أن البحث العلمي في الطبيعة فريضة دينية، وأن ممارسة العلم هو ممارسة لعبادة من أوجب العبادات، وهو التزام بأوامر إلهية مباشرة في الكتاب بالألفاظ والعبارات قطعية الثبوت وقطعية الدلالة. مثل:) قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) (يونس: 101). وقراءة كلمات الله عبادة حقيقية، وأيضا استقراء أعمال الله في الكون عبادة حقيقية، وليس العلم بالطبيعة في قوانينها وظواهرها أقل من العلم بالدين في كلمات الله الموحى بها، إن كلمات الله إذا أحسنا فهمها والعمل بها تفتح لنا طريقا إلى الله، وإن أعمال الله إذا اكتشفنا قوانينها وعملنا طبقا لها تفتح لنا طريقا أيضا إلى الله.

يجب أن أعبد الله بالطقوس والشعائر، وهي أركان من الدين، ويجب أيضا أن أعبده بالبحث العلمي سعيا وراء اكتشاف أسرار الطبيعة، سواء طبيعة الكون أو طبيعة الإنسان أو طبيعة المجتمع. وليس في هذا مقارنة بين أفضل وأدنى، لأن الدين الخالص نفسه يجزم بأن العلم الطبيعي طريق إلى الحق والحقيقة، بل هو طريق إلى الإيمان بأصول العقائد. إن العلوم الطبيعية والرياضة تبحث في أعمال الله. وليست أعمال الله في الطبيعة بأقل قدسية من كلماته في الكتاب. وإذا كانت قراءة كلمات الله عبادة، فإن استقراء أعمال الله وقوانينه في الطبيعة عبادة، (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، وكل هذا يبدو واضحا عند أولي الألباب، لكن الملفت للنظر أن شرذمة من الحفظة يظنون أنهم اتخذوا عند الله عهدا لمجرد أنهم يحفظون بعض المتون من الورق الأصفر، بل يظنون أنفسهم أفضل من علماء الطبيعة على مختلف تخصصاتهم والذين يعكفون ويعتكفون في معاملهم بحثا عن فهم التركيب والتتابع الجيني للفيروس، أو غيرها من المهام العلمية في سبيل اكتشاف علاج لفيروس كورونا المستجد.

إن الصلاة ذات الرُكوعٌ والسُجودٌ هي ركن من أركان الدين، وهي صلة واتصال بين العبد وربه، وإن البحث العلمي في أعمال الله وقوانينه هو أيضا صلة واتصال بين العبد وربه لكن بطريقة أخرى، والأمر كله يتوقف على النية والقصد في العمل وتحقيق ما ينفع الناس في الأرض. إن البحث العلمي هو صلاة العلم والعلماء لاكتشاف أعمال وقوانين الله في الطبيعة، إذا انعقدت النية وتوجه المقصد لهذا. ومعالجة الروح تكون بالصلاة ذات الرُكوعٌ والسُجودٌ، لكن معالجة الجسد تكون بعلوم الطب، والإنسان كل متكامل يؤثر في بعضه بعضا، واكتشاف الأمراض واكتشاف أدويتها يتسع لعلوم الطب والصيدلة والعلوم الأساسية مثل الفيروسات والفيزياء الحيوية والبيولوجيا والميكروبيولوجيا والكيمياء وغيرها. وعندما يتعلق الأمر بالدواء يكون المحراب هنا هو المعمل والمستشفى. بالمناسبة عندما طرحت مصطلح “الصلاة العلمية” كتعبير مجازي على الفيس بوك لأول مرة منذ أسابيع عدَّ البعض ذلك هرطقة وعدها صلاة ذات ركوع وسجود! وسألني: كم عدد الركعات، وكم مرة في اليوم؟!

إن الأمراض جزء من الطبيعة، وقد خلقها الله مثلما خلق الدواء، لكن الوصول إلى اكتشاف الدواء جهد إنساني يرتكز إلى البحث العلمي وتوفيق الله، ومن ألف باء الدين الخالص في أصوله النقية (القرآن والسنة الصحيحة)، أن الأخذ بالأسباب هو المنهج وهو الطريق، وإنكار الأشاعرة للعلاقة الضرورية بين أسباب والنتائج إنما هو إنكار لسنن الله في الطبيعة وإنكار لأساس من أهم الأسس التي تقوم عليها العلوم الطبيعية والرياضية. إننا نحتاج إلى الإيمان ونحتاج إلى العلم، كما نحتاج إلى انضباط طريقة التفكير العقلي وعدم الخلط بين الميادين والقوانين والأدوات، فلا يمكن أن أتعامل مع بوردة الكمبيوتر بأدوات إصلاح ماتور السيارة، ولا يمكن أن أتعامل مع قوانين المادة بأدوات عالم الروح. الكلمات ضرورية، لكنها ليست كافية في عالم المادة، فلابد من الأعمال معها. صلاة الروح ضرورة وصلاة العقل ضرورة. ولا غنى لأحدهما عن الأخر. ونظرا لأننا لا نزال نكتفي بالكلمات فإننا لم نتمكن بعدُ من الوصول إلى التقدم، ولم نتمكن من الوصول إلى الله.

إن الصلاة العلمية واجبة الاستمرار حتى اكتشاف علاج لجائحة كورونا، تلك الجائحة التي لن تفيد فيها أحكام الجوائح القديمة. والتعامل معها من الناحية الدينية يجب أن يكون في حدود المنابع الصافية: القرآن والسنة الصحيحة، حتى لا يحدث إرباك وارتباك بسبب المزايدين على الدين وعلى الايمان. وبجوار المهمة الأصيلة للعلوم الطبيعية في اكتشاف العلاج وطرق التداوي، نظل ندعو الله تعالى مخلصين له الدين، لكن دعاءنا لن يرتفع إليه بدون أعمال تحترم قوانين الطبيعة وعلومها، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: من آية 10).

لقد فاتنا وقت الصلاة العلمية في موعدها لاكتشاف العلاج. ونحن الآن في أحكام القضاء.. قضائها متأخرين؛ فأن تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي على الإطلاق. إن الاكتشاف العلمي على رأس الأعمال الصالحة، بل أوجبها الآن. فمن منكم أقرب إلى الله الآن؟ الإجابة في المعمل وليس في مكان آخر. قد ننجح وقد نفشل، لكن في كل الأحوال علينا أن نبدأ، ولا نتلفت للناقمين علينا إذا نجحنا، ولا نعبأ بالشامتين فينا إذا فشلنا، فمن اجتهد ثم أصاب فله أجران، ومن اجتهد ثم أخطأ فله أجر”.

مقال بقلم الدكتور . محمد عثمان الخشت – أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة – نشر بجريدة الأهرام
#يارب
#القرآن_السنة_الصحيحة
#خطاب_ديني_جديد
#لا_فرق_لا_مذاهب
#جامعة_القاهرة

الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: