باقلاممقالات كبار الكتاب

الاستغناء والتحرر

مدارات

بقلم  رجائى عطية

عـلـمـت مــن أبــى الــروحــى وأســتــاذى المحــامــى الـشـاعـر المفكر الأديـب محمد عبدا الله محمد ، أن الإنـسـان إذا كبر نضج، وإذا نضج فهم، وإذا فهم استغني، وإذا استغنى تحـرر. غاية العاقل ليصدق مـع نفسه ومـع الدنيا أن يتحرر، يتحرر مـن حسابات المـصـلـحـة والأغـــراض والمـــآرب، وهــو لا يمـكـن أن يـتـحـرر ّ إلا إذا استغني.

استغنى عـن عـبء الاحـتـيـاج أو شـهـوة المــال أو إغـراء المناصب لا يمكن للإنسان ـ ّ إلا لـلأفـذاذ ! ـ أن يستغنى إذا كان محاصرا مخنوقافى داخله بمطالب الاحتياج أو نداءات الشهوة أو الإغراء!

هذا هو الفارق الذى نراه بين من يفدون بأنفسهم فى سبيل الوطن، ويضحون فى سبيل القيم، ويتصدون للغايات العامة.. لا تظاهرا وبحثا عـن الـوجـاهـة والمـكـانـة، وإنمـا اقتناع مخلص مضحى حقيقة وفعلا من أجلها. الناس عدا الأنبياء والأفـذاذ أسرى لشرانق كثيرة تحول بينهم وبين الإخلاص لغير أنفسهم ومـن فـى حكمهم. تجـد يـاء الملكية ملغاة فـى سلوك الأنبياء.. لا ينشغلون بها ولا بشيء مما يشغل البشر من حب الاقتناء. كان رسول القرآن ـ صلى االله عليه وسلم ـ يقول: «نحن الأنبياء لا نـورث ـ ما تركناه صدقة». الانشغال بميراث الذرية أحد أهم الأسباب لجشع الاقتناء وتكويم الثروة، والانشغال بها يسحب من رصيد الاستغناء الذى لا تحرر ً حقيقيا بدونه. حب الاقتناء غريزة مسيطرة، لها متوازيات فى حب المناصب والسلطان، وفى حب الجاه والنفوذ.. وهى متوازيات أيضا فى سحبها من رصيد الاستغناء وحيلولتها دون تحـرر الإنـسـان مـن الحـسـابـات التى تحاصره وتشغله.. فلا يخلص ّ إلا لها ولا يستغنى عنها.. فتقيم نوازعه بينه وبين التحرر ً سياجا منيعا يحول بينه وبين الوصول إليه!

بـدا لـى ً واضـحـا مـن دراســة حـيـاة الـفـاروق عمر بـن الخـطـاب، ّكــلا منهما استغنى عن وسـيـرة الإمــام ّ عـلـي بـن أبـى طـالـب، أن ً متاع الدنيا ومغرياتها وما يجرى وراءه الناس. ندرة كل منهما راجعة فى ظنى إلى هذا الاستغناء. لم يكن الفاروق يبالى بما يلبس وبمـا يـأكـل.. ضـربـت بـه الأمـثـال فـى صـبـره وإلـزامـه أهل بيته فى عام الرمادة أو المجاعة، ولفتت خرقته وافتراشه الأرض تحت ظل شجرة، لفتت مندوب كسرى الـذى راعـه ما عهده فى ملوك الفرس أن ًسـورا من الأحــراس تحميها، بينما يـرى إمام المسلمين بلا حـارس ولا حشم ولا بـلاط، رأى فيه البساطة فى أسمى معانيها، ً مرتديا خرقة كاد طول العهد يبليها، فقال قولة حق وأصبحت ً مثلا وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها، تلك التى صاغها ًشعرا شاعر النيل حافظ إبراهيم، حين قال فى عمريته.. أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها

وكما يضيق المجال عن حصر مظاهر استغناء عمر، يضيق ً أيضا عن استقصاء مجالات استغناء الإمام. لفتنى فيما لفتنى فـى سيرته أنـه ذهـب وغـلامـه قنبر ليتسوق ، فاشترى رداءيــن، َخ َّ ـص غلامه بالأغلى ً ثمنا، ولـم يقبل رجــاءه أنـه يصعد المنبر ويليق به أن يرتدى الأفضل، ولكنه ذكر للغلام أن وضعه يغنيه فاستغني، وأن الشاب فى حاجة أمـس إلـى ما يرضى به غريزة الشباب. استغنى الإمام، مثلما استغنى الفاروق، فتحررا من كل مغريات الدنيا وسطر كل منهما سيرة رائعة للاستغناء والتحرر. تـأمـل فـى أفــذاذ البشرية، كغاندى مـثـلا.. تجـده قـد استغنى فـتـحـرر، وقــاد أمـتـه بـأسـرهـا إلـى الـتـحـرر. بغير هـذا الاستغناء والتحرر ما كان يمكن لغاندى أن يحمل ما حمله ولا أن يصدق مع نفسه ولا أن يؤثر هذا التأثير الهائل فى أمته. أثر فيها لأنه صادق ًصدقا استمده من تحرره باستغنائه. أين هذا الاستغناء ممـا ينشغل بـه معظم الـنـاس حـاجـة أو طـمـعـا؟! ليس الطمع وحـده هو الـذى يشد الطامع إلى ما يريد ويصرفه عما يجب، وإنمـا الحاجة أيضا. نشر الحاجة والاحتياج فلسفة الأنظمة المستبدة لاستبقاء هيمنتها ونفوذها وتحكمها وسيطرتها على طوابير المحتاجين! مع هذه الفلسفة يغدو تحويل جمهور الناس إلى محتاجين ـ هدفا مطلوبا!.. فالمحتاج مشغول بالرغيف الذى لا يجده، وبقوت يومه وعياله الذى يعز عليه، وبمطالب الحياة التى تحاصره ولا تنتهي!

نجد رئيسا أمريكيا كجيمى كارتر، يتحول بعد تركه منصبه إلـى قيمة تعطى بشجاعة وصـدق للقضايا العامة. صـار فيما يقال أفضل رئيس أمريكى سابق، مع أنه لم يكن أفضل رئيس أمريكي. الفارق أنه استغنى فتحرر، واستطاع بتحرره أن يرى ما لم يكن يراه وهو أسير المنصب وحساباته!

هـذا ضـرب مـن استغناء وتحـرر الـقـادة والأغـنـيـاء والـقـادريـن، فكيف بتحرر الفقراء المحتاجين وهم فى الاستغناء مجبرون؟! أخــطــر وأحــمــق مــا تـقـع فـيـه الأنـظـمـة المـسـتـبـدة، أن تغض الـطـرف دون أن تــدرى عـن مخاطر ردود أفـعـال تنامى الحاجة واستفحالها.. أن تغفل أو تتغافل عن تنامى «سخط الاحتياج».. لذلك لـم يفلح نظام فـى تـاريـخ البشرية فـى كـف طـوفـان ردود الأفعال إذا تنامى السخط والاحتياج، بينما أفلح الذين تمكنوا بالاستغناء من التحرر.

[email protected]

بواسطة رجائى عطية نشر في جريدة أخبار اليوم

الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *