باقلاممقالات كبار الكتاب

أيوب بين الدين والتراث (1)

مقال بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت-
أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة

“مر أيوب عليه السلام بتجربة مرضية عنيفة، وتم ابتلاؤه في ماله وولده. تحمل أيوب وصبر صبرا جميلا، لم يلجأ إلا إلى ربه، ولم يتذمر، ولم يرفع صوته لوما وتوبيخا للقدر أو الظروف. وعندما أعيته الحيل لجأ إلى ربه متضرعا، يقول تعالى :(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى? رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ? وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى? لِلْعَابِدِينَ ((الأنبياء :83- 84)، وفي موضع آخر من الكتاب: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى؟ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (سورة ص: 41 -44).

ومن الواضح هنا أن التنزيل امتدح أيوب وصفاته، وقدم تجربته كدرس مستفاد لأصحاب العقول والعابدين. وانتهى الأمر في القرآن عند هذه الحدود، وهو كتاب مبين يفسر نفسه بنفسه، وآياته بينات لا تحتاج لأساطير جانبية من الإسرائيليات والروايات الموضوعة التي انخدع بها بعض الرواة والمفسرين. لكن لكثير من المفسرين رأي آخر، وهو التفنن في إيراد روايات أسطورية إضافية حول هذه الآيات من الإسرائيليات الموضوعة المكذوبة التي ليست ثابتة سندا ولا عقلا ولا بالمقارنة مع مجموع الكتاب الكريم ولا السنة الصحيحة، ولا تعدو أن تكون فهما خرافيا أسطوريا لكلمات التنزيل.

والغريب أن هذه الروايات تمر مرورا واسعا عند كثير من المفسرين على الرغم من مخالفتها لصحيح المنقول وصريح المعقول.

فهل أيوب النبي الكريم الذي امتدحه القرآن وضرب به المثل في الصبر لحكم لربه، هو هذا الذي تُصوره تلك الروايات بأوصاف لا يمكن قبولها عن نبي له مكانته ويمدحه القرآن الكريم، لكن بعض المفسرين يرودونها دون أي التفات لتناقضها مع القرآن الكريم، ثم يخرج علينا مَنْ يدعو للدفاع عن التراث كله ككتلة واحدة دون تمييز بين ما به من صواب وما به من أخطاء وأساطير؛ إنها المزايدة الخاطئة، وإهدار لمطالب القرآن الكريم بإعمال العقل والتدبر، وعدم (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث) على حد تعبير ابن الديبع في كتاب بالعنوان نفسه بتحقيقي وصادر عن مكتبة ابن سينا عام1989.

إن التراث نفسه به عقول رصينة تميز، وبه تيارات أخرى يخلط أنصارها بين الوحي والأسطورة، ويضعون الغث بجوار الثمين، ومنهم الطبري وابن كثير والغزالي القديم والسيوطي وغيرهم، ونحن نقدر جهودهم في كثير من المواضع لكننا نرفض مواضع أخرى، ولا نقدس متونهم تقديسا، ونميز فيها بين الصواب والخطأ وبين الوحي والعقل والخرافات. لكن الدفاع الأعمى عن التراث كله ككتلة واحدة هو الخطأ بعينه. مع التأكيد على أن القرآن والسنة الصحيحة سندا ومتنا، ليسا من التراث، بل فوق التراث وأيضا قبل التراث.

ومن هنا فلابد من التمييز في التراث بين الوقائع والأساطير، وبين العلم والخرافة. إن التراث به الإيجابي وبه أيضا السلبي، وبه المعقول واللامعقول. إن المزايدة على الاحتفاظ بالتراث كله دفعة واحدة دون (تجاوز) المكونات الظلامية، مغالطة كبرى، ودغدغة لمشاعر الغوغاء، واستدعاء لكل عصبية القبيلة!

راجع أيها القارئ الكريم نماذج من الروايات الأسطورية عند الطبري وابن كثير والقرطبي والألوسي والسيوطي وغيرهم؛ حيث تجد روايات خرافية موضوعة تحاول إعطاء مزيد من التفصيلات والإثارة وتحكي قصصا وحوارات بين الله وإبليس وأيوب وزوجته وأصحابه، وتصف النبي أيوب بما لا يليق بنبي كريم، وتحلق في عوالم الأسطورة دون سند تاريخي ثابت، وتخرج بالآيات عن حدود معناها المستخرج من ألفاظها وتراكيب جملها. انظر معي أيها القارئ الكريم في بعض تلك الروايات التي تعج بها بعض التفاسير؛ حيث تذكر روايات كثيرة لم يصح سندها لا تاريخا ولا عقلا، بل هي من الإسرائيليات مثل ما رواه الرواة من حوارات غريبة بين الله وإبليس وأطراف أخرى، والنصوص الأسطورية طويلة تروي ما لا يتسق مع أصول الاعتقاد الثابتة من القرآن والسنة الصحيحة المتواترة، ولا أدري كيف يوردها كثير من المفسرين وكأن هناك وحيا موازيا للوحي المنزل في القرآن الكريم. وبعضهم يقبلها وقليل منهم يتحفظ أو ينقد أجزاء منها. وفي كل الأحوال كان يجب عدم إيرادها في كتب التفسير، فموضعها الحقيقي هو كتب الأساطير والحكايات والأعاجيب.

تذكر الرواية الأسطورية كلاما منسوبا لأيوب، واضح منه كذب الراوي عليه وعلى القرآن؛ حيث يذكر الراوي أن أيوب يعترض على قضاء الله، تقول الرواية نصا: (فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: رب لأي شيء خلقتني؟ لو كنت إذ كرهتني في الخير تركتني فلم تخلقني! يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي! ويا ليتني مت في بطنها فلم أعرف شيئا ولم تعرفني! ما الذنب الذي أذنبت لم يذنبه أحد غيري؟ وما العمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني؟ لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل بي؛ فأسوة لي بالسلاطين الذي صفت من دونهم الجيوش، يضربون عنهم بالسيوف بخلا بهم عن الموت وحرصا على بقائهم، أصبحوا في القبور جاثمين، حتى ظنوا أنهم سيخلدون. وأسوة لي بالملوك الذين كنزوا الكنوز، وطمروا المطامير، وحموا الجموع، وظنوا أنهم سيخلدون. وأسوة لي بالجبارين الذين بنوا المدائن والحصون، وعاشوا فيها المئين من السنين، ثم أصبحت خرابا، مأوى للوحوش ومثنى للشياطين).

وتذكر الرواية أنه كان لأيوب عليه السلام (ثلاثة من أصحابه اتبعوه على دينه؛ فلما رأوا ما ابتلاه الله به رفضوه من غير أن يتركوا دينه واتهموه، يقال لأحدهم بلدد، وأليفز، وصافر. قال الرواي: فانطلق إليه الثلاثة وهو في بلائه، فبكتوه)، وتؤكد الرواية على لسان أليفز أحد أصحاب أيوب أنه وصفه بأوصاف عقائدية وسلوكية لا تتسق مع القرآن ولا السنة الصحيحة، قال أليفز :(عظيم ما تقول يا أيوب، إن الجلود لتقشعر من ذكر ما تقول، إن ما أصابك ما أصابك بغير ذنب أذنبته، مثل هذه الحدة وهذا القول أنزلك هذه المنزلة؛ عظمت خطيئتك، وكثر طلابك، وغصبت أهل الأموال على أموالهم، فلبست وهم عراة، وأكلت وهم جياع، وحبست عن الضعيف بابك، وعن الجائع طعامك، وعن المحتاج معروفك، وأسررت ذلك وأخفيته في بيتك، وأظهرت أعمالا كنا نراك تعملها، فظننت أن الله لا يجزيك إلا على ما ظهر منك، وظننت أن الله لا يطلع على ما غيبت في بيتك، وكيف لا يطلع على ذلك وهو يعلم ما غيبت الأرضون وما تحت الظلمات والهواء؟”.

ويضيف أليفز :(أتحاج الله يا أيوب في أمره، أم تريد أن تناصفه وأنت خاطئ، أو تبرئها وأنت غير بريء؟ خلق السماوات والأرض بالحق، وأحصى ما فيهما من الخلق، فكيف لا يعلم ما أسررت، وكيف لا يعلم ما عملت فيجزيك به؟ وضع الله ملائكة صفوفا حول عرشه وعلى أرجاء سماواته، ثم احتجب بالنور، فأبصارهم عنه كليلة، وقوتهم عنه ضعيفة، وعزيزهم عنه ذليل، وأنت تزعم أن لو خاصمك وأدلى إلى الحكم معك، وهل تراه فتناصفه؟ أم هل تسمعه فتحاوره؟ قد عرفنا فيك قضاءه، إنه من أراد أن يرتفع وضعه، ومن اتضع له رفعه”.

إن هذا ما لا يمكن قبوله عقلا ولا تاريخا عن نبي كريم يضرب القرآن به المثل والذكرى.
وحديثنا لم يكتمل”.

مقال بقلم الدكتور . محمد عثمان الخشت – أستاذ فلسفة الدين – رئيس جامعة القاهرة – نشر بجريدة الأهرام
#يارب
#القرآن_السنة_الصحيحة
#خطاب_ديني_جديد
#لا_فرق_لا_مذاهب
#جامعة_القاهرة

الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: