باقلاممقالات كبار الكتاب

أسئلة إلى العبد الصالح! (3)

بقلم الدكتور محمد عثمان الخشت

“مضى في طريقه يتلمس طلعة العبد الصالح مثلما يتلمس شروق شمس المعارف في فضاء مفعم بالوجود، على أرض متناغمة في دورتها مع النظام الكوني وعناصر الطبيعة المزدهرة بالتنوع في الوحدة، والوحدة في التنوع، لكنها لم تستطع أن تعبر أبدا حدود عقول مليئة بكوابيس الكراهية والسواد والحسد الوجودي.

وقبل أن يصل يس إلى مجمع البحرين وجد أقواما يتعاركون ويرفع كل منهم كتابا مقدسا، بعضهم يحمل الكتاب نفسه في مواجهة بعضهم البعض، وآخرون يحملون كُتبا مختلفة -لكنها ليست متباينة – في مواجهة بعضهم البعض أيضا. إنها حرب الجميع ضد الجميع. حرب يستخدمون فيها كل الوسائل لتدمير بعضهم البعض، وفي بعض الأحيان يدمرون أنفسهم تدميرا ذاتيا لتحقيق تدمير أكبر في خصومهم! لقد وصلت بهم عمليات غسيل الأدمغة إلى كراهية تتسع للعالم كله، وهم يسيرون بمبدأ أموت ويموت معي غيري، وأتعذب ويتعذب معي الآخرون، مثل النار التي تأكل نفسها وتأكل ما حولها، تغتر بنفسها في البداية لأنها تزيد سريعا، لكنها لا تدرك أنها بعد قليل سوف تنتهي تماما وتصبح والعدم سواء لكن بعد تدمير نفسها وتدمير كل شيء.

لم يستطع يس أن يقف ليشاهدهم كثيرا، فلم يعتد البقاء في عوالم مغلقة تعيش كائناتها في كهوف عقلية بلا نوافذ إلا نوافذ الكراهية، ولم تتطلع منها يوما ما على جمال الكون وتنويعاته وهوائه الذي يتنفسه الجميع من الفرقاء والمختلفين في اللون والدم والثقافة والعقيدة ونمط الحياة.

سار قليلا، لكن ليس بعيدا، فدخل حدود مجمع البحرين وهنا وجد خلية من النحل تأخذ وتعطي، تأخذ الرحيق من على كل زهرة، لكنها تتمثله فتخرجه عسلا وشمعا. وهذا ليس العطاء الوحيد الذي تقدمه في مقابل ما أخذته؛ فليس وظيفة النحل إنتاج العسل والشمع فقط، بل النحل يقوم أيضا بتلقيح كثيرا من النباتات بمختلف أشكالها وأنماطها. وهنا حدث يس نفسه قائلا: إن مجتمع النحل مجتمع تعاوني منظم يتمتع بالذكاء لأنه يقيم مجتمعه على أسس تكافلية تدور على الأخذ والعطاء المتبادل سواء مع نفسه أو مع المجتمعات المحيطة، والعطاء عندها مثل النحل عطاء مباشر في لحظة الأخذ للرحيق والقيام بالتلقيح، إما بالقيام بنقل حبوب اللقاح من متك الزهرة إلي مياسم الزهرة نفسها، أو بنقله إلي مياسم زهرة أخرى، في حركة كونية يستفيد منها جميع الأطراف. إنه عطاء وأخذ مباشر Cash Value، لكن هناك عطاء من نوع آخر؛ فالقصة الجميلة لم تنته، فلا يزال هناك عطاء آخر، إنه عطاء غير مباشر لكائنات أخرى؛ فبعد أن يأخذ النحل الرحيق يقوم بتمثله ليخرجه بعد ذلك عسلا وشمعا.

لم يكد يغادر موقع مجتمع النحل حتى وجد العبد الصالح ماثلا أمامه قائلا: هل تعلم أن الإنسان قد تعرف على مجتمع النحل منذ آلاف السنين؟ هل تعلم أن الإنسان قام بتربية مجتمعات من النحل في معظم المجتمعات البدائية والمتحضرة؟
أجاب يس: أعلم طبعا.

فرد العبد الصالح: هل تعلم أن هذا الإنسان نفسه استفاد من عطاء النحل في دورة حياة الجسد لكنه لم يستفد منه في دورة حياة العقل الجمعي إلا قليلا في المجتمعات المتحضرة، أما في المجتمعات المتخلفة فالإنسان يربي النحل ويأكل من عطائه، دون أن يستفيد من المعاني التي تصلح لإقامة المجتمع النظامي؟ ومع أن النحل دخل مجتمع الأدب والفنون عبر التاريخ، وربما دخل المجتمع العام عبر المجتمع المدني في الدول المتقدمة، والنظام المؤسسي الديناميكي والقوي، والتكوين العقلاني النفسي للأفراد، لكنه لم يدخل بعدُ مجتمعات العالم الثالث إلا دخولا مريضا لأن المجتمع المدني بها ليس إلا انعكاسا لوعي مريض لا يعرف معنى الدولة الوطنية، فكثير منه يعمل كطابور خامس لصالح مؤامرات خارجية، أو يعمل استرزاقا لا تطوعا؟ كما أن كثيرا من الناس في هذه المجتمعات يريدون أن يعيشوا على نظام الكفالة وليس نظام التكافل المتبادل القائم على الأخذ والعطاء بين جميع الأطراف.

هنا خاطب يس العبد الصالح: أُلاحظ أنك تستخدم مفردات عصرنا وليس مفردات عصور قديمة كان ظهورك الأول فيها؟
رد العبد الصالح: ولِم تتخيلني عجوزا يتحدث من عصور عتيقة؟ يبدو أن بعض بقايا أساليب التفكير القديمة لا تزال تعلق بحواف عقلك؟!

يا بُني، إن العبد الصالح هو الذي يعيش عصره حاملا تجارب العصور السابقة، وليس العبد الصالح مَن يعيش في عصور انقضت، إن العبد الصالح يعيش في الحاضر من أجل المستقبل، يعيش حياته المتجددة لا حياة غيره! ولو عاش في عصر قديم، ثم بُعث مرة أخرى في عصر جديد، فسوف يعيش العصر الجديد لا القديم؛ فموجات الحياة لا نهائية عبر الزمن وعبر الأبدية.

وأضاف العبد الصالح: لقد أخرجتني عن الموضوع الأصلي لحديثنا اليوم، يبدو أنك أحيانا مثل قومك الذين يتحدثون في سبعين موضوع دفعة واحدة، ولا يركزون في موضوع واحد حتى انتهائه. للأسف يحزنني أن أقول لقومك الحقيقة المُرة: إنكم مثلما تعانون الفوضى في طريقة حياتكم تعانون الفوضى في طريقة تفكيركم. أخبرهم عني: لابد من إصلاح طريقة تفكيركم.

هنا تبسم يس قائلا: إنك الآن أيضا وقعت فيما نقع فيه؛ لقد خرجت إلى موضوع ثالث؛ فأنت الآن تتحدث عن إصلاح طرق التفكير!
قال العبد الصالح: هذا لأنك تأخذ بالظاهر، فطرق التفكير هي أساس اختلاف مجتمع النحل عنكم. ولا تحدثني عن الفطري والمكتسب؛ فطرق التفكير الفطرية عند كائن يمكن أن تكتسب عند كائن آخر بالتعلم والتدريب. هذا أصلا إذا صحت قسمتكم للفطري والمكتسب.
ولنا حديث آخر مع فجر جديد عند مجمع البحرين.

قال يس: عند أي منعطف؟
قال العبد الصالح: لن تجدني عند أي منعطف، بل تجدني عند الملتقيات”.

مقال نشر للدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة في جريدة الأهرام

الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: